القائمة الرئيسية

الصفحات

نمط الحياة والتراث في الزريبة العليا قديماً: السكن، اللباس، والزاد التقليدي

نمط الحياة والتراث في الزريبة العليا قديماً: السكن، اللباس، والزاد التقليدي

تعتبر قرية الزريبة العليا واحدة من القرى التونسية العريقة التي تحمل بين جنباتها تاريخاً حافلاً بالتقاليد وأساليب العيش الأصيلة. في هذا المقال الشامل، نغوص في ذاكرة المنطقة لنكتشف كيف عاش الأجداد قديماً، بدءاً من تفاصيل المعمار والسكن، مروراً بالأزياء التقليدية للرجال والنساء، وصولاً إلى أسرار المطبخ الشعبي وأطباق المناسبات.

أولاً: المعمار والهندسة السكنية في الزريبة العليا

كان النمط السكني في الزريبة العليا يعتمد على نظام "الحوش" المشترك الذي يضم عدة بيوت. وتُبنى هذه المسكن باستعمال مواد طبيعية من البيئة المحلية كالحجر والجير العربي. وكان الأهالي يستخرجون الجير بطريقة تقليدية عن طريق حرق "حجر التفزة" في كوشة مخصصة تعتمد على الحطب، أو حرق "حجر الصوان الأزرق" ليتحول إلى جير أبيض ناصع.

تخطيط البيت من الداخل وابتكار "السدّة"

كانت البيوت تُبنى بمقاييس محددة، حيث يترواح عرض البيت بين 2.5 و3 أمتار، بينما يمتد طوله من 4 إلى 8 أمتار بحسب حجم العائلة. ويكون باب البيت دائماً في الوسط:

  • السدّة (غرفة نوم الوالدين): عند دخول البيت، تقع "السدّة" على الجهة اليمنى. وهي منصة خشبية تُصنع من اللوح على ارتفاع 1.5 متراً وطول 3 أمتار تقريباً (على عرض البيت كاملاً). يُصنع لها سلّم خاص للصعود وتغطى بستار يُسمى "الملحفة".
  • مساحة الأبناء والجلوس: يُخصص الجانب الأيسر من البيت للجلوس خلال النهار، ويتحول ليلاً إلى مكان لنوم الأطفال.

طهي الطعام و"النّوّالة"

خارج البيت وفي ساحة الحوش، يُبنى كوخ صغير يُعرف بـ "النّوّالة" أو "الكيب"، وهو مخصص لطبخ الأكل وإعداد الطعام على الحطب. ومن المهم الإشارة إلى أن أهالي الزريبة العليا لم يسكنوا الأكواخ أبداً، بل كانت تُستعمل للطهي فقط.

ثانياً: الأصالة في اللباس التقليدي والمفروشات

عكس اللباس في الزريبة العليا الهوية التونسية والتكيف مع المناخ الجبلي والمراسل الفصلية.

ألبسة الرجال

ارتدى الرجال ألبسة صوفية دافئة مثل البرنوس، القشّابيّة، والكدرونة (أو الغريولة). كما لبسوا البلوزة المدوّرة والبلوزة المشقوقة والقُمزونة إضافة إلى السّوريّة المدوّرة. أما على الرأس فكان "الكبّوس" هو القبعة التقليدية، وفي الأرجل يرتدون "القُرْف" (أو الشميت)، وهو نعل يُصنع قاعه من المطاط وبقيته من الصوف وشعر الماعز.

ألبسة النساء

تميزت المرأة بالفوطة والبلوزة ومريول فضيلة، إضافة إلى التقريطة والمحرمة والسروال الواسع المستوحى من الطراز التركي. وفي فصل الشتاء، ترتدي المرأة "السفساري" و"القُنْع" (البخنوق الصوفي). ومما يميّز نساء الزريبة العليا أنهن لم يلبسن المليّة أبدًا في زيّهن التقليدي.

الأغطية والمفروشات الصوفية

لحماية أنفسهم من البرد، اعتمد الأهالي على صناعة أغطية صوفية محلية:

  • البطّانيّة: يصل طولها إلى 12 ذراعاً (أي ما يعادل 6 أمتار).
  • الفَرّاشِيّة: أصغر حجماً من البطانية، وطولها 6 أذرع (3 أمتار).
  • المَخَادّ والكليم: تُحشى الوسائد بالصوف الممُشوط، بينما يُفرش البيت بـ "الكليم" المصنوع بأطوال وأحجام مختلفة.

ثالثاً: المطبخ التقليدي ونمط التغذية قديماً

اعتمد النظام الغذائي في الزريبة العليا على منتجات الأرض والقمح والشعير التي تصدرت جميع المأكولات.

الأطباق اليومية والشعبية

تنوعت المائدة اليومية بين الكسكسي، المحمّصة، الشكشوكة، والبرغل. كما عرفوا أطباقاً مميزة مثل الرّفيسة والمرقة الحلوة بالقسطل والزبيب، إضافة إلى العصيدة التي تُقدم إما بالسكر والزيت، أو مالحَة بالشكشوكة و"الطاجين بونارين".

أنواع الحساء والسهرات

من أشهر أنواع الحساء لديهم طبق "الزَّدْر" (المكون من التشيش والبركوكش والخبيزة)، وطبق "الحسو" (أو البزين) المميز بطعمه الحامض والحلو الممزوج بالخل. أما في سهرات الليل، فكانت العائلات تجتمع على الفول المقلي، و"القلية" (قمح وذرو مقليان معاً) إلى جانب الشاي الأحمر والكاكاوية.

أكلات وحلويات الأعياد

في المناسبات والأعياد، تبدع النساء في إعداد خبز "المبسّس"، وخبز "المجمع" المخصص للأطفال (وهو قرص عجين تُوضع في وسطه بيضة نية وتُثبت بأشرطة عجين لتُخبز في الطابونة). أما الحلويات فكان أبرزها المقروض، و"المسمّنات" (تشبه الزلابية بدون قطر/شحور)، والكعك بالتمر المخبوز في الطابونة.

أنت الان في اول موضوع
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات