الذاكرة الشعبية: عادات تقاليد الزريبة العليا في الأعياد والمناسبات وأيام زمان
تعتبر الذاكرة الشعبية للمناطق التاريخية كنزاً حياً يروي قصص الأجداد وتقاليدهم العريقة التي تعكس التلاحم، البساطة، وجمال الحياة القديمة. في هذا المقال، نغوص في تفاصيل عادات سكان الزريبة العليا أيام زمان، لنستعرض معاً تفاصيل دقيقة حول غسل الثياب بطرق تقليدية، أجواء شهر رمضان المبارك، بهجة الأعياد، وذكرى المولد النبوي الشريف.
بعض العادات لـسكان الزريبة العليا القديمة
غسل الثياب بالرماد والزريق
قديماً، ابتكرت المرأة وسائل ذكية للتنظيف؛ حيث تستعمل الرماد كَمادّة منظّفة. كانت المرأة إذا أرادت غسل الثياب تسخن الماء وتضع فيه كمية من الرماد الصافي من الكانون وتحركه كثيراً حتى تكون رغوة مثل الصابون. حينها تضع المرأة الملابس في هذا الماء وتغسلها بيدها حتى تصبح نظيفة، ثم تُغسل الملابس مرة أخرى في الماء الصافي لتنزيل رغوة الرماد وتنشرها. والأحسن غسل الثياب بماء المطر فهو يُنظّف أحسن، كذلك يُستعمل الرماد في غسل أواني الطبخ لأنه يُزيل الدهون. أما "الزريق" فهو مسحوق أزرق يُوضع قليل منه في الماء الساخن وذلك لغسل الملابس البيضاء.
صباغة الصوف بالطرق التقليدية
توضع قشور الرُّمّان في آنية كبيرة تُسمى "إحناسة" مع الماء فوق النار مع إضافة قليل من الشَّب والملح أو عصير الليمون إلى أن يصبح لون الماء أحمر داكن. ثم تُوضع خيوط الصُّوف في "قصعة" ويُصبّ عليها الماء الملوّن ويقع تحريك الخيوط بقطعة طويلة من اللوح وتُترك قليلاً ثم تُخرج وتُنشر. تُسمى الخيوط المصبوغة "الطُّعمة" وتُززين بها الأغطية الصّوفية.
رمضان أيام زمان في الزريبة العليا
في اليوم الأول من رمضان، بعض النّاس يشربون شاة ويذبحونها ويقسمون لحمها فيما بينهم، والبعض الآخر يُربّون الدّجاج قبل فترة كي يذبحوه خلال شهر رمضان.
أطباق المائدة الرمضانية
أنواع الأكل هي ككسي السميد باللحم أو الحلالام أو النّواصر أو شكشوكة ببيض الدّجاج أو سلاطة مشوية (تُسمى هريسة). السُّحور يكون لأغلب المتساكنين ككسي السميد بالحليب ويُسمى "المسفوف". الإفطار يكون على كأس بسيسة أو كأس حليب ساخن أو تمر إن وجد. بجانب مائدة الإفطار يكون هناك الكانون وفوقه برّاد الشّاي الأحمر ذلك هو المُبجّل بعد الأكل ولا يفوتني أن أعلمكم أن النّبسوَة يصنعون خبز الطّابونة يومياً يكون حاضرا وساخنا مع الإفطار.
السَّهرة والنشاط الليلي
في السَّهرة تجتمع العائلة المُوسّعة مع الأولاد ومع بعض الجيران ويشربون الشّاي بالكاكاوية. أغلب الرّجال يسهرون في الحوانيت أو في الشّوارع وآخرون يُصلّون التراويح. ومن له عمل لا يسهر كثيراً لأنه في السُّحور يقصد عمله باكرا ليرجع لمنزله باكرا.
في المغرب يضرب الطّبّال من الجهة الشّمالية لتسمع جهة سُكّان الجوف ويُطبل من الجهة الجنوبية ليسمع أهل البطارية والزَّرية قرية وأحوازها، وفي السُّحور كذلك.
العيد الصغير أيام زمان
هو عيد الفطر. فقبل العيد بأيام تُحضّر النُّسوَة حلويات العيد مثل المقروض والمسمنات والكعك.
قبل يوم من العيد تضع النُّسوَة خبز العيد وهو الخبز المبسس ثم تأخذ صغارها إلى الحمام للإستحمام.
مظاهر الاحتفال ويوم العيد
وفي صبيحة يوم العيد تذهب الرّجال لصلاة العيد، أما المرأة تنهض باكرا فتحضّر الرّفيسة وتلبس صغارها ملابس جديدة أما الكبار والعجائز فيذهبون لزيارة الموتى بالجبّانة ثم يذهبون بعد ذلك لزيارة الأقارب ويتهادون بعض الحلويات.
بعد الظُّهر تذهب النُّسوَة والصغار وكذلك الرّجال إلى جانب سيدي الفارسي حيث بطحاء صغيرة تُسمى "المحمى" يتجمّع فيها الرّجال وخاصّة "التّراسة" أصحاب البنية القوية ويبدأ الإحتفال بالعيد الصغير. ينقسم الرّجال إلى مجموعات ويبدؤون برفع الأثقال حيث يتنافسون على رفع "شاير" القمح والفاز تزغرد عليه النُّسوَة.
تتقدم مجموعة أخرى للمصارعة فيتقدّم إثنين ويتصارعان ومن يربح منهما يبقى وينسحب الخاسر ويتقدّم مصارع آخر ليلعب مع الفائز وهكذا ومن يبقى الأخير فهو الفائز ويحضى بزغاريد النُّسوَة. ومجموعة أخرى تُشارك في لعبة القفز حيث يققف أحد الرّجال ويديه بين أكتافه ثم يأتي الرّجال ويقفزون فوقه ومن يقرص أحسن تزغرد عليه النُّسوَة. هناك لعبة أخرى وهي تتمثل في انبطاح رجل ضخم على الأرض ويتقدّم الرّجال تلو الآخر ويحاول رفعه وحمله على ظهره وبالتالي من يقدر على ذلك يُعتبر هو الفائز.
وهكذا تبقى الألعاب متواصلة إلى المساء فيقضي أهل الزَّرية عشية عيد ممتعة لا يغيب فيها أحد بين مسابقات الرّجال ومرح الأطفال وزغاريد النُّسوَة. وفي آخر المساء وبعد انتهاء الألعاب يرجعون إلى الدَّشرة حيث ينحني الرّجل ويقفز عليه آخر ثم يقوم هذا الآخر بالإنحناء هو أيضا ويأتي ثالث ويقفز ثم ينحني وهكذا حتى يصلوا إلى البلدة وهم يفقزون والصغار يجرون وراءهم وهم فرحين والنُّسوَة تُزغرد.
العيد الكبير أيام زمان
العيد الكبير هو عيد الأضحى. كل الأهالي تذهب إلى حمام الزَّرية قبل العيد بيوم ليتنظّفوا ويتجملوا تحضيرا للعيد.
كل النِّساء تقوم بتحضير خبز العيد المبسّس بزيت الزَّيتون كما يضعون للصغار أقراص صغيرة من الخبز فوقها بيضة مشدودة بالعجين تُسمى "المجمع" وهي عادة لإفراح الصغار بالعيد.
أما الرّجال فيتفرّقون جماعات جماعات وكل مجموعة تشتري شاة ويقتسمونها فيما بينهم يوم العيد نظرا لعدم القدرة وصعوبة الحياة في تلك الفترة. ولم يكن هناك من يُضحي سوى الفلاحين الكبار وهم قلة.
بعد الشّواء وغسل الدَّوّارة تقوم النُّسوَة بتزيين صغارهم ثم يذهبون لزيارة الأقارب لـ"يعيدوا" مع العلم أن أهالي الزَّرية العليا كانوا يعيدون على بعضهم بالكلام فقط لا بالمصافحة ولا بالتقبيل.
بعد الظُّهر وككل عيد يذهب جميع الأهالي بجوار سيدي الفارسي أين توجد بطحاء المحمى التي تقام فيها الألعاب ويقضون بقية اليوم لما فيه من أهمية للترويح عن أنفسهم.
ذكرى المولد النبوي الشريف
في ذكرى المولد النبوي تحضر المرأة ما يلزمها من دقيق وزيت وسكر دون أن تنسى النحاسة والحطب والمثرد لأنها ستنهض يوم المولد باكرا لتحضير العصيدة. عند الأذان يذهب الرجال لصلاة الصبح ثم يبقون في الجامع لمدح النبي صلى الله عليه وسلم فيقرؤون القرآن والبردة والهمازية وكذلك المدائح والأذكار وذلك إلى طلوع الشمس. في ذلك الوقت تكون العصيدة قد أحضرت الى الجامع فيجتمع المصلون حول قصع العصيدة لفطور الصباح. في القديم العصيدة تتمثل في عصيدة بالزيت والسكر وهناك من يستعمل البسيسة مع السكر وكل حسب ذوقه وحسب قدرته.
يوم المولد النبوي هو يوم راحة وترفيه للعائلة في ذلك الوقت يشتري الرجل اللحم وتطبخ المرأة ما لذ وطاب من المأكولات.
تم إعداد هذا المقال الوثائقي والتراثي حصرياً لمدونة Tunisie-44 استناداً إلى الذاكرة الشعبية والتدوين التاريخي الأصيل.
استكشف المزيد من تاريخ وتراث الزريبة العليا
تابع دائماً مقالاتنا لتبقى على اتصال دائم بجذورك وتقاليد الأجداد العريقة.
مدونة Tunisie-44 🌐
تعليقات
إرسال تعليق