ألعاب الصغار بالزريبة العليا قديماً: ذكريات طفولة أصيلة قبل عصر الشاشات
قبل دخول الهواتف والألعاب الإلكترونية إلى حياة الأطفال، كانت الزريبة العليا تعج بأصوات الصّغار وضحكاتهم في الأزقّة والحقول، حيث ابتكروا بأنفسهم ألعاباً بسيطة من محيطهم اليومي لم تكن تحتاج لا لكهرباء ولا لبطاريات، بل فقط لحفرة في الأرض، أو قطعة نقود، أو قلب مشماش. في هذا المقال نستعرض أبرز الألعاب الشعبية التي كان يمارسها أطفال الزريبة العليا قديماً، وكيف كانت قواعدها تُروى وتُتوارث من جيل إلى جيل.
لعبة الغَمَيْضة (الحُلَيْلة)
يجتمع الصّغار في مكان ما يختارونه ويقومون بالقرعة أيّهم يغمض عينيه الأول، أما بقيّة الأطفال فيختبؤون وراء الأشجار وأكداس الحجارة وبين الأزقّة.
بعد وقت قليل، يفتح الطّفل الذي غمض عينيه ليبحث عن أصحابه وهم يُراقبونه، حتّى إن بعد عن مكان الغميضة يتسلّلون إليها شيئاً فشيئاً، وكلّ من يصل إلى المكان يقول "حلّت.. حلّت"، بينما يبقى هذا الطّفل يبحث عن البقيّة حتّى إن رأى أحدهم يجري وراءه، وإن مسكه يرمي بيده إلى رأسه ويقول "شتَيتو.. شتَيتو"؛ وهذا المشدود هو الذي يغمض في المرّة القادمة.
تلك هي لعبة الغميضة، يلعبونها حتّى إن تعبوا من الجري توقّفوا عن اللّعب.
لعبة النُّقبة
يتّفق اللّاعبون على أيّ نوع من الفلوس، أي مثلاً النّقود "1 سوردي" أو "2 سوردي"، ثمّ يحفروا ثقباً أي حُفرة صغيرة على مقاس تلك النّقود، ويسطّروا خطّاً يلعبوا عليه بعد أن يتّفقوا على كم من متر يبعد عن الحفرة الصّغيرة.
يقف اللّاعبون على الخطّ ويرمي كلّ واحد منهم ما بيده من النّقود، والأقرب إلى الخطّ هو الذي يلعب الأوّل. يقف اللّاعب الأول على الخطّ ويرمي "السّوردي" الذي بيده، ثمّ يقف اللّاعب الثّاني ويرمي ما بيده.. وهكذا حتّى إذا ما أصاب أحدهم ودخلت نقوده داخل الحفرة فيأخذ نقود أصحابه، ثمّ يتداول الأطفال اللّعب بنفس الطّريقة.
لعبة البِيس
البيس نوعان: نوع من الإسمنت ونوع من البلّور، ويتمّ الاتفاق بين اللّاعبين الأطفال بأيّ نوع يلعبون.
يحفر الأطفال حفرة في مكان منبسط، ثمّ يُسطّروا خطّاً يبعد عن الحفرة بأمتار يتمّ الاتفاق عليها أيضاً. يقف اللّاعبان بجانب الحفرة ويرمي كلّ واحد منهما بيسته نحو الخطّ، والأقرب إلى الخطّ هو الذي يبدأ الأوّل.
يُمسك اللّاعب البيسة بيده على الأرض ويضربها بإصبعه الأكبر "الإبهام" نحو الحفرة، ويلعب الطّفل الثّاني بنفس الطّريقة، وهكذا يتسابقان من يُدخل بيسته الأوّل إلى الحفرة.
الذي يُدخل بيسته الأوّل يصبح يهاجم خصمه بضرب بيسته، أمّا اللّاعب الثّاني فيبقى يحاول دائماً إدخال بيسته إلى الحفرة، وإن أصاب ونجح يصبح اللّاعبان يُهاجمان بعضهما، ومن يضرب بيسة صاحبه الأوّل يأخذها، ثمّ يعاودان اللّعب من جديد، والرّابح من يجمع أكبر عدد من البيس.
صنع الصّفارة
يصنع الصّغار الصّفّارة قديماً بالزّريبة العليا من قلوب المشماش.
يختار الطّفل قلب مشماش كبير، ثمّ يَحُكّه على حجر إلى أن تُصبح به ثُقبة، ويُفرغ من خلال هذه الثّقبة الثّمرة الموجودة بداخله وبالتّالي يُصبح القلب فارغاً.
يأخذ الطّفل القلب المثقوب ويضعه على شفتيه ويَنفخ فيه، فإذا به يُعطي صوتاً جميلاً هو صوت الصّفارة.
لماذا نستعيد ذكرى هذه الألعاب اليوم؟
حين نقارن هذه الألعاب بواقع الطفولة اليوم، نلاحظ فرقاً جوهرياً في طبيعة اللعب نفسه: فبينما تعتمد ألعاب اليوم غالباً على شاشة فردية يحدّق فيها الطفل بمفرده، كانت ألعاب مثل الغَمَيْضة والنُّقبة والبِيس تفرض بالضرورة وجود جماعة من الأطفال، وتُعلّمهم قواعد الاتفاق المسبق، والانتظار، والفوز والخسارة وجهاً لوجه.
كما أن هذه الألعاب لم تكن تحتاج لأي غلاف تجاري أو ثمن؛ فحفرة صغيرة في الأرض، أو قطعة نقود معدنية، أو حتى قلب مشماش مرمي، كانت كافية لصنع لعبة كاملة بقواعدها الخاصة. هذا الإبداع النابع من البساطة هو بالضبط ما يجعل توثيق هذه الذاكرة الشعبية أمراً ضرورياً، حتى تبقى معروفة لدى الأجيال القادمة التي قد لا تسمع بهذه الأسماء إلا في مثل هذه المقالات.
هذه الألعاب البسيطة التي صنعها أطفال الزريبة العليا بأيديهم من محيطهم الطبيعي، تُجسّد إبداع الطفولة الشعبية وقدرتها على صنع الفرح دون أي إمكانيات مادية. توثيق هذه الذاكرة هو حفاظ على جزء أصيل من هويتنا الثقافية قبل أن تندثر مع تقدّم الزمن.
استكشف المزيد من تراث الزريبة العليا
تابع سلسلة مقالاتنا التوثيقية لتبقى على اتصال دائم بجذورك وتقاليد الأجداد العريقة.
مدونة Tunisie-44 🌐
تعليقات
إرسال تعليق