القائمة الرئيسية

الصفحات

التعاون بين العائلات في الزريبة العليا قديماً: صور من التكافل والتضامن الشعبي

التعاون بين العائلات في الزريبة العليا قديماً
من ذاكرة الزريبة العليا: صور ورسومات توثق روح التعاون والتكافل بين الأهالي
تراث وعادات الزريبة العليا

التعاون بين العائلات في الزريبة العليا قديماً: العولة والفلاحة والموت والأفراح

لم يكن التعاون في الزريبة العليا قديماً مجرد مساعدة عابرة بين الجيران والأقارب، بل كان أسلوب حياة تتشارك فيه العائلات أعمالها ومناسباتها، من جمع الحبوب وإعداد العولة، إلى مساعدة الفلاحين في مواسم الزراعة والحصاد، والوقوف إلى جانب أهل الميت، وصولاً إلى المشاركة في تجهيز الأعراس. وكانت هذه العادات تجعل أهل القرية يشعرون بأنهم عائلة واحدة، يتقاسمون التعب والفرح والمساندة في مختلف مراحل الحياة.

🤝 العولة 🌾 التعاون في الفلاحة 🕊️ التعاون في الموت 💍 التعاون في الزواج 🏡 التكافل بين الأهالي
أ

العولة: حين تجتمع العائلات بعد موسم الحصاد

بعد انتهاء موسم الحصاد وجمع الحبوب، كانت كل عائلات الزريبة العليا تفكر في إعداد العولة. وكان من أهم ما يُختار للحفظ أجود أنواع القمح، ومن بينها البسكري، لأن العولة كانت تمثل جزءاً مهماً من المؤونة التي تعتمد عليها العائلة خلال السنة.

كان الرجال يتكفلون بطحن القمح، حيث يقصدون القمح على الكريطة إلى مدينة زغوان، أين توجد طاحونة تسمى السعادة، وهي تفرز مشتقات القمح مثل السميد والدقيق والكشكارة والدقاق والنخالة.

أما المرأة فكانت لها مهمتها الخاصة، إذ تقوم بتفريغ أنواع الدقيق من الكشكارة في أواني وتحضير أنواع الغرابيل مثل السقاط والطلاع وغربال الدقيق وغربال السميد، كما تحضر الأواني الكبيرة من النحاس والقصدعة، وكذلك تحضر الحطب والملح وما يلزم لذلك اليوم.

🧺 العولة لم تكن مجرد تخزين للمواد الغذائية، بل كانت مناسبة تتوزع فيها الأعمال بين أفراد العائلة وتظهر فيها روح التعاون والتكافل بين النساء والأهالي.

ويأتي موعد العولة في يوم تتجمع فيه النساء، ولكل واحدة اختصاصها؛ فهناك من تكون مختصة في صنع الكسكس، وأخرى في تشغيل النار، وأخرى في تغطية السطح، وهناك من تختص في صنع المحمصة، كما توجد من تتولى مد الدقيق والماء والملح والغرابيل.

وكانت المرأة صاحبة العولة تشتغل في طهي الفطور، ويكون عادة فخماً باللحم. وإذا مر رجل قرب النسوة، يرمين عليه أحياناً ما بأيديهن من كسكسي أو محمصة ويقلن له: «عليك الخيط»، فما على الرجل إلا أن يذهب إلى العطار ويشتري لهن شيئاً مثل الكاكاوية أو الشاي أو التمر أو غير ذلك.

وفي اليوم الموالي يسمى الزليقة، وهي إعادة خدمة المحمصة مرة ثانية، وتدهن بالزيت وتنشر من جديد لتصبح صلبة ولا تحل عند طبخها.

رسومات توثق إعداد العولة وأعمال النساء في الزريبة العليا قديماً
رسومات توثيقية تصور بعض مراحل إعداد العولة وأعمال النساء في الزريبة العليا
ب

التعاون بين الفلاحين في موسم الزراعة والحصاد

في موسم زراعة الحبوب، قد يتأخر أحد الفلاحين في زراعة حبوبه بسبب مرض أصابه أو لضعف دابته أو لكثرة الأمطار في ذلك الوقت أو لسبب آخر. وفي مثل هذه الحالات لم يكن الفلاح يواجه المشكلة وحده.

كان أهل القرية تربطهم علاقات متينة من العطف والحنان والمحبة، وكانوا يساعدون بعضهم بعضاً لتخطي الصعوبات. فيعرضون الإعانة ويمدون أيديهم قبل فوات موسم الزراعة، بل يستعملون مواشيهم لإتمام الزراعة في الوقت المناسب، وكانت هذه المساعدة تسمى «المعونة».

وفي فصل الصيف، وكذلك لحصاد الحبوب، عندما يتأخر أحد الفلاحين بسبب جمع حبوبه، يجتمع بعض أصحابه وأقاربه ويذهبون للفدان ويصطفون بأيديهم مناجلهم ويبدؤون في الحصاد، وتسمى هذه العملية «الخرجة».

وعندما يصلون إلى آخر الفدان يبدؤون بخرجة أخرى حتى يصلوا إلى الخرجة الأخيرة التي تسمى «خرجة باركلو»، وفيها يوزع القمح والفواكه وزغاريد النسوة.

🌾 «المعونة» كانت صورة واضحة من صور التكافل؛ فإذا احتاج أحدهم إلى المساعدة في موسم حساس، وجد أبناء قريته إلى جانبه.

وهكذا، بفضل التعاون والتكاتف وحب السكان بعضهم لبعض، لم يكن أحدهم يتأخر عن الآخرين، لا في الزراعة ولا في الحصاد ولا حتى في شيء آخر من شؤون الحياة.

رسومات توثق التعاون والعمل الجماعي بين فلاحي الزريبة العليا
مشاهد مرسومة توثق روح التعاون والعمل الجماعي بين فلاحي الزريبة العليا
ت

التعاون في مصيبة الموت: القرية تقف إلى جانب أهل الميت

عندما يتوفى شخص، كان رجلاً أو امرأة أو صغيراً، يتكفل أهل البلدة بكل ما يلزم الميت وأهله. فتجتمع مجموعة من الرجال لحفر القبر، ويذهب آخرون إلى زغوان لجلب ورق الريحان لوضعه في القبر.

وتقوم مجموعة أخرى بذبح شاة، ويقوم الجيران والأقارب بطبخ الكسكس لإطعام حاضري القبر، ويسمى تبريد القبر. وكان المذنب هو الذي يغسل الميت إن كان رجلاً، والحاجة فاطمة زوجة الحاج حسن أرقار هي التي تغسل الميت إن كانت امرأة، وخلفتها في ذلك ابنتها.

وعند الذهاب بالميت إلى المقبرة، كان الناس يمشون وراء النعش وهم يرددون: «رحمان رحمان هذا عبدك واليوم يا رحمان قاصد فضلك».

وبعد دفن الميت يؤذن المذنب، ثم يرجع الناس إلى دار الميت لتقديم التعازي لأهل الميت، في مشهد يعكس حجم الترابط الاجتماعي بين عائلات البلدة.

🕊️ في أوقات الحزن، كان التكافل يظهر بأوضح صورة؛ فمصيبة عائلة واحدة كانت تتحول إلى مسؤولية جماعية يتحملها أهل البلدة معاً.
ث

التعاون في الزواج: من جمع الحبوب إلى تجهيز العروس

كانت بعض العائلات تتولى تزويج أحد أبنائها في فصل الخريف بعد تجميع الحبوب، فتبدأ التحضيرات منذ فصل الربيع، ويذهبون إلى عمق الجبل لجمع الحطب، وكان هذا اليوم من الأيام المهمة جداً، حيث يطبخ فيه الكسكس ويأكل العريس وأصحابه وجميع الأقارب والأصحاب والمبتين.

وبعد ذلك يجمع العريس أصحابه مرة أخرى ويذهبون إلى جبل الزريبة لجمع الليف لصنع المضربة التي ستنام عليها العروس مع عروستها.

وكان هناك أيضاً نسوة مختصات في تصميم وتصبير المضربة، وهناك من يكتفي بحصيرة عبادي من الحلفاء.

💍 تجهيز الزواج لم يكن مهمة فردية؛ فقد توزعت الأعمال بين الرجال والنساء، وكل واحد يساهم بما يستطيع حتى يكتمل جهاز العروس والعرس.

أما بالنسبة لتزويج الفتاة، فلا بد من تحضيرات تتمثل في شراء الصوف ثم غسله، وبعد ذلك تجتمع النسوة في يوم يسمى الرغلة، حيث يقع تقبيض الصوف بالعصا، ثم يُمَشَّط على منسج الصوف الطويل، وبعد ذلك يحول إلى خيوط تسمى القلام.

أما الصوف القصير فيُقرّش لصنع خيوط الطعمة. وكانت كل هذه المراحل جزءاً من التحضيرات التي تسبق صناعة مستلزمات العروس، من الفراش والكليم والأغطية وغيرها.

رسومات توثق أعمال النساء والرجال في تحضيرات الزواج بالزريبة العليا
رسومات توثيقية لبعض أعمال النساء والرجال في تحضيرات الزواج وتجهيز العروس
روح الزريبة العليا

في الزريبة العليا قديماً، لم يكن التعاون مرتبطاً بمناسبة واحدة؛ فقد ظهر في العولة، والزراعة، والحصاد، ومواساة أهل الميت، والتحضير للزواج. وكان العمل الجماعي وسيلة لتخفيف المشقة وتقوية الروابط بين العائلات.

لماذا نستعيد ذاكرة التعاون اليوم؟

تكشف هذه الشهادات عن مجتمع كانت فيه العلاقات بين العائلات جزءاً أساسياً من الحياة اليومية. فالإنسان لم يكن يعيش بمعزل عن جيرانه وأقاربه، بل يجدهم حوله في العمل والفرح والحزن.

من إعداد العولة إلى مساعدة الفلاح المتأخر، ومن تجهيز العزاء إلى تحضير الزواج، كانت الأعمال الكبيرة تُنجز بأيدي جماعية. وهذا ما جعل «المعونة» و«الخرجة» وغيرها من صور التعاون أكثر من مجرد أعمال؛ لقد كانت عادات اجتماعية تحفظ تماسك المجتمع.

وتبقى هذه التفاصيل جزءاً من الذاكرة الشعبية للزريبة العليا، لأنها تُعرّف الأجيال الجديدة بطريقة عيش الآباء والأجداد، وكيف استطاعوا مواجهة مشاق الحياة بروح المشاركة والتكافل.

اكتشف المزيد من ذاكرة الزريبة العليا

تابع سلسلة المقالات التوثيقية حول عادات الأهالي وحياتهم اليومية وذكريات الطفولة والتعاون والتكافل في الزريبة العليا قديماً.

زيارة مدونة Tunisie-44 🌐
🖋️

الكاتب

🤝

نوع المقال ذاكرة شعبية وتراث محلي

📚

موضوع المقال التعاون والتكافل بين العائلات قديماً

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات