الحرف والمهن التقليدية في الزريبة العليا قديماً: ذاكرة الصناعات الشعبية
عرفت الزريبة العليا قديماً عدداً من الحرف والمهن التي ارتبطت بحياة السكان اليومية، وكان لكل حرفة دورها في تلبية حاجات العائلات وتوفير بعض مستلزمات المعيشة. فمن جمع الحلفاء وصناعة الأدوات منها، إلى إنتاج الفحم والبناء وصناعة الأواني الطينية والبرادع والمغارف، وصولاً إلى الجزارة والطبال، شكلت هذه المهن جانباً مهماً من الذاكرة الشعبية للمنطقة.
صناعة الحلفاء: حرفة من نباتات الجبال
يجمع العامل الحلفاء من غابات وجبال الزريبة العليا، فيصنع الشريط أو الحزم، وهو كالخيط يبرم بالأصابع ويخيطون به النقيرة، ويصنع به حصير المصنوع للجلوس.
أما حصيرة العبادي فتصنع بخيوط الصوف الغليظة، وتصنع من الحلفاء أيضاً القفيرة الزنزيل، وهي توضع على البرذعة فوق الحمير أو البغال لحمل الأشياء عند التنقل.
وتصنع الشارية للمرأة لحمل حاجياتها، كما تصنع المرشاشة ويستعمل مثل الحبل لربط الأشياء.
يوفر صاحب حرفة الحلفاء ما يحتاجه المتساكنون من حاجاتهم، خاصة البرادعة والزنزيل والشارية، وكذلك يحمل ما يصنعه من الحلفاء إلى الأسواق لبيعها، خاصة سوق مدينة زغوان ومدينة سوسة.
إنتاج الفحم: صناعة مرتبطة بالغابة والعمل الريفي
يذهب الفلاح بصحبة زوجته إلى الغابة ويحمل معه الفأس وتحمل زوجته الشارية. يقلع الفلاح جذور الغابة وتجمعها الزوجة وتضعها في الشارية، وبعد بضعة أيام من العمل يتحصل الفلاح على كمية هائلة من الجذور.
يضع الفلاح الجذور في مكان منبسط ويبدأ في بناء ما يسمى المرذومة، حيث يبدأ بالجذور الغليظة ويرصفها بطريقة دائرية إلى أن يتم كامل كمية الجذور.
وفي الفراغات بعد البناء يضع التبن أو الحلفاء، ثم تغطى كامل الجذور بقليل من الحطب والحلفاء، وفي النهاية يتم تغطية المرذومة بالتراب مع ترك ممر صغير من الجانب أو من الأعلى ليتمكن من إيصال النار أو كمية من الجمر لإشعال المرذومة.
يحرق الجذور وتطيب للحصول على كمية من الفحم الأسود، ثم يباع الفحم عن عين المكان، حيث يأتي رجال يكونون كرارط يحملون الفحم ليبيعوه في مدينة تونس أو سوسة.
البناء: مهارات متعددة في خدمة العائلات
عرفت الزريبة العليا عدداً من العائلات التي عاشت من مهنة البناء، وكان من بين البنّائين من هو مختص بالبناء بالحجر، ومنهم من هو مختص بالبناء بالآجر.
وقد مثّل البناء إحدى المهن التي ساهمت في تشييد مساكن الأهالي وخدمة حاجاتهم، مع اختلاف المهارات التي كان يتقنها أصحاب هذه الحرفة.
صناعة مغارف العود
يصنع مغارف صغيرة للأكل وأخرى كبيرة لتحريك الطعام، وتصنع من أغصان شجرة الزعرور.
صناعة البرادعة: حرفة مرتبطة بالحيوانات والنقل
تصنع البرادعة من التبن الخشن، وتفصل حسب المقاس المطلوب ثم تملأ بالتبن وترص بحبل طويل بحكمة، وتخاط فوقها قطع جلد لحمايتها من الماء.
وكانت البرادعة توضع على الدواب وتستعمل في الحياة اليومية، خصوصاً في نقل الأشياء وحملها.
صناعة الصرة والملابس التقليدية
يذكر المصدر أيضاً صانعاً مختصاً في صناعة البرنوس والشاشية والفريولة، أي الكبرونة، وتزيينها بالحرير.
وتكشف هذه الحرفة عن جانب آخر من مهارات الصناع التقليديين واهتمامهم بصناعة بعض قطع اللباس وتزيينها بالمواد المتاحة في ذلك الوقت.
صناعة الأواني الطينية: مهارات النساء في صناعة أدوات المطبخ
النساء هن مختصات في هذه الصناعة، حيث تصنع الكانون والطاجين أو ما يسمى بالحمص والبرمة والككساس.
تصنع المحبس لتخبية المؤونة من المحمصة والككسي والدقيق، كذلك لا تخلو دار من الطينية لصنع الخبز.
أما القلة والخابية فتصنعها من سوسة وخاصة من القلعة.
الجزارة: مهنة تخدم سكان القرية
هو نفسه الفلاح الذي يملك الماعز يأتي إلى بطحاء الفجة ويتجمع سكان القرية، وكل واحد يطلب بنصيبه، فيحسبه بربع الرجل والآخر بثلاث الرجل وكذلك بحسب الرأس والدوارة.
عندما يذبح الجزار الشاة وبعد سلخها يقطع اللحم ويوزع الكليتين على الصغار، ثم يقسم حسب طلبات السكان بالميزان وتحسب له حصته ويدفع الثمن حسب ما اتفق عليه في ثمن الكيلوغرام.
الطبال: مهنة مرتبطة بالأفراح والمناسبات
هذه المهنة تتكون من ثلاثة أشخاص: الطبال والزكار والوراش. فالطبال يطلب مجد الأفرح ويأخذ أجره من الوراش الذي يتحصل على المال بدوره من المواطنين الحاضرين والمتسلقين في الوراش.
وكان الطبال من الشخصيات التي ترتبط بالمناسبات والأفراح، فيشارك في أجواء الاحتفال ويؤدي دوره إلى جانب الزكار والوراش.
لم تكن الحرف القديمة مجرد وسائل لكسب العيش، بل كانت جزءاً من الحياة اليومية للزريبة العليا. فقد ارتبطت بالغابة والفلاحة والبيت والأسواق والأفراح، وحافظ أصحابها من خلالها على مهارات تقليدية انتقلت داخل المجتمع من جيل إلى آخر.
الحرف القديمة جزء من الذاكرة الشعبية
تكشف هذه المهن عن جانب مهم من حياة سكان الزريبة العليا قديماً، حيث كانت الحرفة مرتبطة بالحاجات اليومية وبالبيئة المحلية وبما توفره الجبال والغابات والأرض.
فمن الحلفاء التي تحولت إلى أدوات تستعمل في البيت والعمل، إلى الفحم الذي ينتج من جذور الغابة، ومن البناء إلى صناعة المغارف والبرادعة والأواني الطينية، لكل حرفة قصتها وأصحابها ومهاراتها.
كما كانت بعض المهن مرتبطة بالمناسبات الاجتماعية، مثل الجزارة والطبال، وهو ما يوضح أن الحرف التقليدية لم تكن منفصلة عن المجتمع، بل كانت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية والأفراح والعادات.
وتبقى هذه الحرف والمهن شاهدة على مرحلة من تاريخ الزريبة العليا، وعلى مهارات السكان وقدرتهم على الاستفادة من موارد محيطهم وصناعة ما يحتاجون إليه بأيديهم.
تعليقات
إرسال تعليق