القائمة الرئيسية

الصفحات

رجال مهمّين بالزريبة العليا قديماً: شخصيات صنعت ذاكرة القرية

رجال مهمّين بالزريبة العليا قديماً - غلاف مقال عن الشيخ وعدل الأشهاد والمؤدب وشيخ الزاوية والشاعر والفداوي
غلاف مقال: رجال مهمّين بالزريبة العليا قديماً
تراث وعادات شعبية

رجال مهمّين بالزريبة العليا قديماً: شخصيات صنعت ذاكرة القرية

قبل أن تحلّ المؤسسات الرسمية والإدارات الحديثة محلّ التنظيم التقليدي، كانت الزريبة العليا تُدار بواسطة شخصيات محلية يحمل كلّ واحد منها دوراً لا يقلّ أهمية عن الآخر: من يجمع الجباية، ومن يوثّق الولادات والوفيات، ومن يعلّم الصغار القرآن، ومن يفصل النزاعات، ومن يحسب الفصول، ومن يهجو بالشعر، ومن يروي الحكايات في ليالي السّمر. في هذا المقال نستعرض أبرز هذه الشخصيات ودورها في حياة القرية أيام زمان.

👳 الشيخ 📜 عدل الأشهاد 📖 المؤدّب 🕌 شيخ الزاوية 🌙 الحساب القمري 🎙️ الشاعر 🔥 الفداوي
1

الشيخ

هو رجل تختاره الحكومة ولا يختاره أهل القرية. تختار الحكومة من هو ميسور الحال، وإذا ما اختارت من هو فقيراً يضمن فيه ضامن ثري حتى إذا ما أتلف شيئاً من المال العام دفع عنه الضامن. هذه هي سياسة فرنسا: الشيخ مسؤول عن الجباية؛ يُحصي ثروات سكان الزريبة العليا من ماعز وأبقار ومواشي وزيتون ولوز وكل مكتسباتهم.

بعد سنة تأتي أوراق الجباية كل باسمه ويبدأ الشيخ في جمع المال من السكان، وإن استعصى أحد عن الدفع يذهب الشيخ إلى زغوان ويأتي بالصبايحي وهو رجل حاكم يركب على حصان ويتنقل داخل القرية ويهدد الذي لم يدفع الجباية، وإن أصرّ على عدم الدفع يربطه بحبل ويجرّه كعقاب له.

الشيخ له مهمة أخرى هي فض المشاكل بين المتخاصمين من أهل القرية، ومعه كبار رجال الدشرة. وهو الذي يُحصي الشبان للذهاب إلى العسكر، وله كلمة وموقف مع القايد والخليفة، فهو الذي يربط ويحل. كما أنّ له مكانة كبيرة عند أهل القرية إذ يكون أول المدعوين في أفراحهم وولائمهم.

2

عدل الأشهاد

هو رجل مثقف له فضل كبير على أهالي الزريبة العليا قديماً، إذ أن أحدهم إذا وُلد له مولود جديد يذهب إلى دار العدل بعدما يختار له اسماً، وكذلك يأخذ معه هدية زهيدة مثل كيلو تاي أو شيء من الحلوى "كمبروك المولود الجديد". ثم يسجل المولود بدفتر الحالة المدنية، وبعد ذلك يسجله عند القاضي بالمحكمة بزغوان.

عدل الأشهاد يسجل أيضاً المتوفين كباراً كانوا أم صغاراً من أهالي الزريبة العليا. كذلك يكتب المبيوعات بين الناس، وكذلك يكتب الصداق بين العروسين. هذا العدل له فضل على أجدادنا لأن وثائقهم الشخصية صحيحة في زمن كانت الناس فيه تولد وتموت بدون تسجيل في مناطق أخرى مجاورة. لذلك فالعدل يحظى بمكانة كبيرة بين أهالي الزريبة حيث كانوا يستشيرونه خاصة في المسائل القانونية.

3

المؤدّب

هو رجل يحفظ القرآن وهو معلّم بالبلدة. فكل من تجده يقرأ ويكتب من أجدادنا الا قرأ عند سيدي المدب الذي يعلّم القرآن للصغار في الجامع أو في الزاوية أو حتى في داره.

يأتيه الصغار من عمر 5 سنوات فما فوق فيعطيهم كل واحد لوحة وقلم من القصب ومحبرة بها سمغ يُصنع من الصوف المحروق: السمغ يُحرق ورماده يوضع في محبرة ويُصبّ عليه قليل من الماء فيصبح مادة كتابية سوداء، والقلم يُصنع من القصب يُنجَر ويُذبّب ويُشقّ من وسطه كي يدخل فيه السمغ، أما اللوحة فتُقصّ حسب طلب الطفل وتُحكّ لتصبح رطبة وتُرسم لها علامة من الأعلى كي لا توضع مقلوبة وفيها قرآن.

إذا دخل تلميذ لأول مرة إلى الكُتّاب يكتب له المدب أربعة أو خمسة حروف هجاء ويكرّرها حتى يحفظها، أما التلاميذ القدامى فيكتب لهم بعض الآيات ويبقى التلميذ يحفظها كامل الحصة. كلما حفظ التلميذ حزباً من القرآن يزين له المدب لوحته ويحتفلون به، ويأتيه أم الطفل بقصعة من الكسكسي أو مأكولات أخرى للصغار.

كل يوم خميس يأتي الصغار بالبيض إلى سيدي المدب وتُسمى الخميسية، وكل رأس شهر يعطي والد التلميذ شيئاً من الفلوس أو من القمح إلى سيدي المدب دون ثمن محدود. وسيدي المدب له مكانة خاصة لدى المتساكنين فهم يستشيرونه في حياتهم الخاصة وحتى في تسمية المولود الجديد، ويكون في المقدمة في الأفراح والأتراح: يغسل الموتى ويصلي عليهم ويقرأ القرآن عليهم وهم في القبور.

سيدي المدب هو إمام الجامع للصلوات الخمسة وصلاة الجمعة. بفضله وبفضل القرآن تعلّم الأجداد ما شرعه الله في القرآن والسنة، وأصبحوا يسافرون للحج مشياً على الأقدام إلى ليبيا ثم إلى مصر ثم إلى السعودية. توارثت الأجيال هذه العملية فترى الحجاج بكثرة في حمام الزريبة، وهي تُعتبر الأولى في ولاية زغوان في عدد الحجاج والمعتمرين وكذلك الأولى في تحفيظ القرآن. ويفضل حفظ القرآن أهل القرية يطبّقون الشرع في الميراث بالنسبة للمرأة في وقت كانت أكثر البلدان لا تعترف بهذه الشرعية. في المناطق المجاورة يقولون: "الحق زريبي والكرم جرادي والشجاعة تكروني".

4

شيخ زاوية سيدي عبد القادر

يُسمى شاوش الزاوية عند السكان، وهو معروف خارج الدشرة لأن له زبائن كثيرة يزورون الزاوية. له فرقة قادرية تنشط في الأعراس وفي توديع واستقبال الحجاج وسهرات الحضرة.

شاوش الزاوية رجل مهم في البلدة فهو يفصل المشاكل بين المتخاصمين، وفي الأفراح يكون دائماً حاضراً. هو مبجل عند الناس الذين يقومون بالزردة فيستدعونه ومعه فرقة القادرية لتنشيط السهرة.

5

الحساب القمري والعجمي والفصول

الذي يقوم بهذا الحساب هو أحد رجال الزريبة العليا، له خبرة في الحساب القمري والعجمي والفصول الأربعة والمواسم التقليدية مثل دخول الربيع والصيف والخريف والشتاء، ودخول الليالي البيض والليالي السود وقرة العنز والحسوم ونزول جمرة الماء والهواء.

هذا الرجل هو حاضر دائماً لأسئلة الناس حول دخول أي فصل، وهو خبير أيضاً في تقسيم الأراضي، وتعلّم على يديه بعض الرجال طريقة الحساب القمري والعجمي والفصول.

6

الشاعر

هو أحد الرجال بالزريبة العليا وهو شاعر ارتجالي. تهابه الناس لأن كل من يغلط أو يعمل زلة يهجوه ويشهر به بهجاء هزلي وفكاهي.

ففي أحد الأيام استضاف أحد الرجال ضيفاً فعشّاه وقدّم له الشاي وغطّاه ببطانية، ثم ذهب هو لينام. وعندما استفاق من نومه في الصباح لم يجد لا الضيف ولا البطانية. سمع الشاعر بهذه الحادثة فقال: "سي فلان كيفاش جراله جاب ضيف هزلو البطانية، وهذا الكل من قلة رايهم عراهم في هذه الشتوية".

وفي إحدى المرات لام أحد سكان القرية الشاعر على شعره اللاذع فقال: "ربي غفار يغفر ذنبي وشوية ناي والحضار، والناس اللي تسمع فينا محمد شارق الأنوار يوم الصراط يحاذينا".

7

الفداوي

هو رجل بشوش يروي القصص الخيالية للسكان عند مجالستهم. من رواياته: "حرب سيدنا علي مع الجان"، و"لوح عيرود" وهو عفريت من الجان، وهي مأخوذة من الكتب الصفراء المغلوطة. وقصص الهلاليين: "الجازية الهلالية" و"خليفة الزناتي"، و"يونس ساكن تونس"، و"الملك سيف بن ذي يزن".

يذهب السكان إلى دار الفداوي للسهر والسمر، وكذلك يجتمع بهم في إحدى الحوانيت. وذات مرة بينما كان يروي قصصه والحانوت ممتلئاً بالمستمعين، فجأة اسودّت السماء وتكلّم الرعد وتهاطلت الأمطار، فانقضّ الناس من حوله إذ كل واحد منهم تفكّر حاجته ليحميها من المطر، وبقي الفداوي وحده فتمدّد على طوله وصار يضحك ويقول: "فقرك لا تبيعو لا بالغالي ولا بالرخيص، لأنه فقير لا يملك شيئاً يخاف عليه من المطر".

لماذا نستعيد ذكرى هؤلاء الرجال اليوم؟

لم تكن الزريبة العليا قديماً بحاجة إلى إدارات معقّدة لتنظيم حياتها؛ فكل شخصية من هذه الشخصيات كانت تسدّ حاجة حقيقية للجماعة: الشيخ يربط القرية بالسلطة المركزية، وعدل الأشهاد يحفظ الحقوق والوثائق، والمؤدّب ينقل العلم والدين للأجيال، بينما كان الشاعر والفداوي يحفظان روح المرح والذاكرة الجماعية عبر الكلمة والحكاية.

هذا التوزيع العفوي للأدوار بين أفراد القرية يكشف عن نظام اجتماعي متكامل قائم على الثقة والاحترام المتبادل، وهو ما يستحق التوثيق حتى لا تضيع هذه الأسماء والوظائف من الذاكرة الجماعية مع تعاقب الأجيال.

خاتمة

شكّلت هذه الشخصيات معاً نسيج الحياة اليومية بالزريبة العليا قديماً، كلّ واحد منها يحمل مسؤولية تخصّه لكنها تتكامل لتصنع قرية منظمة ومترابطة رغم بساطة الإمكانيات. توثيق أدوارهم اليوم هو حفاظ على جزء أصيل من هويتنا الثقافية قبل أن تندثر مع تقدّم الزمن.

استكشف المزيد من تراث الزريبة العليا

تابع سلسلة مقالاتنا التوثيقية لتبقى على اتصال دائم بجذورك وتقاليد الأجداد العريقة.

مدونة Tunisie-44 🌐
🖋️

الكاتبTunisie-44

📂

نوع المقالذاكرة شعبية وتراث - الزريبة العليا

🔗

الموقعمدونة Tunisie-44

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات