القائمة الرئيسية

الصفحات

الفلاحة والربيع في الزريبة العليا قديماً: من الحرث إلى المندرة

الفلاحة والربيع في الزريبة العليا قديماً - غلاف مقال عن الزراعة وتربية الماشية والمندرة
غلاف مقال: الفلاحة والربيع في الزريبة العليا قديماً
تراث وعادات الزريبة العليا

الفلاحة والربيع في الزريبة العليا قديماً: من الحرث إلى المندرة

كان فصل الربيع بالزريبة العليا قديماً موسم عمل بامتياز، فهو الفصل الذي تزدهر فيه الأرض وتتكاثر فيه المواشي وتنشط فيه مختلف الحرف. من جمع الحشيش والقرط إلى العناية بالأبقار والماعز، ومن جمع الطين وقص الحلفاء إلى الفلاحة البدائية بالمحراث العربي ودرس المحصول في المندرة، كانت حياة أجدادنا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بإيقاع الفصول وحاجات الأرض والحيوان.

🌾 الزراعة 🐄 الأبقار 🐐 الماعز 🔥 فحّامون وصنّاع 🐴 الفلاحة البدائية 🌬️ المندرة
أ

الزراعة: جمع الحشيش وتخزين القرط

في القديم كان أجدادنا كلهم يعملون بالفلاحة، فمثلاً فلاح البذور في الربيع يشغل عمّالاً لتقليع الحشيش من طبة الفول والجلبانة وبعض التوابل، وكذلك من الزرع كالقمح والشعير. يجمع الحشيش وينقله إلى الدار لتأكل منه الحيوانات، والباقي يُنشر ليجف ليتحصلوا بعد ذلك على الحشيش الجاف وهو القرط.

الفلاح يحتفظ بقطعة أرض بها حشيش ولا يترك الحيوانات ترعاها حتى ينمو حشيشها، وفي آخر الربيع يحصده وبعد أن يجف يصبح قرطاً ويخزنه لتعليف الحيوانات في الشتاء. والمثل يقول: «نقّي زرعك من الحشيش وحارص، تلقى عظام الحجل والزوارص».

🌿 القرط كان مؤونة الشتاء للماشية، وجمعه في الربيع دليل على تخطيط الفلاح لموسم كامل وليس ليوم واحد.
ب

الأبقار: موسم الولادة والحليب

الفلاح مربي البقر في فصل الربيع تكثر أشغاله، لأن البقرات تلد صغارها في نفس الفترة وفي أيام متتالية، ولا بد من العناية بالعجول الصغيرة لإرضاعها وإبعادها عن أرجل البقر. فالبقر له مشكل في فصل الربيع، إذ يتكون له دود في جسمه، وعندما يسخن جسمه يتحرك الدود في ظهره فيهيج هذا الأخير وينفر ثم يجري ويبحث عن الظل، وتسمى هذه الحالة التبيبة. لأجل هذا يرعى الفلاح بالبقر باكراً حتى الضحى ويدخلها في أماكن باردة حتى بعد العصر ليعيدها للرعي مساءً.

أما الحليب في الأيام الثلاثة الأولى من الولادة فيُسمى اللباء، وعندما يوضع فوق النار يتجبن ويسمى الدقيشة وهو ألذّ ما يؤكل. والحليب يكثر في فصل الربيع فيصنعون منه الزبدة والسمن والجبن المجفف المالح ليبيعوه في الأسواق، ويكون دخل الفلاح في هذا الفصل جيداً.

ت

الماعز: يوم الجزّ وحليب الجديان

مربّو الماعز في الربيع يهتمون بجزّ الماعز، أي قصّ شعرها بأداة تسمى الجَلَم، وذلك في يوم يسمى يوم الجَزّ. يجمع الفلاح أصحاب الخبرة في الجزّ ويذبح شاة ويستدعي أصحابه وأقاربه ليكون اليوم أشبه بيوم عرس، ومحصول الشعر يبيعه في الأسواق.

والماعز تلد في فصل الربيع، والفلاح يهتم بالجديان (صغار الماعز). وحليب الماعز يصنعون منه الدقيشة في الأيام الثلاثة الأولى، وبعدها كل يوم يجمعون الحليب ليصنعوا منه الزبدة والسمن والجبن المالح، ويبيع الفلاح هذا المنتوج في الأسواق.

🐐 مع العلم أنّ الغنم لم يكن موجوداً بالزريبة العليا قديماً، بل ظهر آخر الخمسينات وبدأ يتكاثر في السنوات الأخيرة.
رسومات توثيقية لتربية الأبقار والماعز في فصل الربيع بالزريبة العليا
رسومات توثيقية لموسم ولادة المواشي وجزّ الماعز في الزريبة العليا قديماً
ث

فصل الربيع وأصحاب الحرف

للربيع مزايا حتى على العمال وأصحاب الحرف. فالعامل الذي ينتج الفحم يقلع كثيراً من جذور الغابة والأشجار في فصل الربيع لأن التراب ثاري، أي سهل عند الحفر، ثم يجمعها ويتركها تشيح، وفي فصل الصيف يصنع منها الفحم.

أما صانع حصير الحلفاء ففي الربيع يقلع الحلفاء ويتركها فوق السطوح، وفي الصيف يصنع منها الحصير والظفيرة والمرشان وخيط الخزم أو الشريط والرونية لخزن القمح، والزنبيل والشارية لحمل الأشياء.

أما النسوة صانعات الأواني من الطين فيُكثرن من جمع التراب في فصل الربيع، لأن الأرض ثارية وسهلة الحفر من الأماكن المعروفة بالجودة، ويجفّفنه. وفي فصل الصيف يصنعن منه ما يشأن من أواني الطبخ والطابونة لصنع الخبز ومدخنة النحل وأشياء أخرى.

روح الزريبة العليا

لم يكن الربيع بالزريبة العليا موسماً واحداً بل كان محرّكاً لدورة حياة كاملة: الأرض تُنبت، والمواشي تلد، والحرفيون يجمعون مادتهم الأولية، استعداداً لصيف يتحول فيه كل هذا الجهد إلى مؤونة وخبز وفحم وحصير.

ج

الفلاحة بالزريبة العليا: فلاحة بدائية

الفلاحة بالزريبة العليا فلاحة بدائية، حيث يستعملون الدواب في كل نشاط، فيحرثون الأرض بالمحراث العربي على البغال والأحمرة.

يغرسون أشجار الزيتون على الأراضي المنبسطة، والبقية يزرعونها قمحاً وشعيراً وفولاً وبعض التوابل. وفي الصيف يحصد الرجال بمساعدة النساء المحصول، ويقوم الصغار بحمله على الدواب إلى «المندرة».

ح

المندرة: مكان درس المحصول

المندرة هو مكان يوضع فيه المحصول ليُدرس. وتقع المندرة في مكان مرتفع قليلاً وتكون متجهة نحو القبلة لاستقبال الريح حتى تسهل عملية تصفية المحصول.

الفلاح يبسط الأرض على نحو 10 أمتار تقريباً وتكون مستديرة، ثم يرشّها بالماء حتى تختمر، بعد ذلك يضع فوق التراب التبن ويأتي ببعض الأحمرة ويرفسونها حتى يختلط التبن بالتراب. وفي المرحلة الأخيرة يأتي بعض الرجال بعصيّ غليظة ويُسوّون بها المندرة لتكون ملساء ومستوية.

🌬️ اختيار موقع المندرة لم يكن عشوائياً؛ فالارتفاع والاتجاه نحو الريح كانا شرطاً أساسياً لنجاح عملية الدرس والتذرية.
رسومات توثيقية لعملية درس المحصول بالمندرة في الزريبة العليا قديماً
رسومات توثيقية لمراحل الفلاحة البدائية ودرس المحصول بالمندرة

لماذا نستعيد هذه الذاكرة الفلاحية اليوم؟

تكشف هذه التفاصيل عن معرفة عميقة كان يمتلكها أجدادنا بدورة الفصول وحاجات الأرض والحيوان، رغم بساطة الأدوات المتاحة لهم. فكل فصل كان له وظيفته: الربيع للنماء والجمع، والصيف للتحويل والتصنيع.

من جز الماعز إلى درس القمح في المندرة، كانت كل خطوة مبنية على خبرة متوارثة جيلاً بعد جيل، تجمع بين معرفة الطبيعة ومهارة اليد. وهذا ما يجعل توثيق هذه الممارسات ضرورياً، فهي تختصر تاريخاً كاملاً من التكيف والعمل الدؤوب.

اكتشف المزيد من ذاكرة الزريبة العليا

تابع سلسلة المقالات التوثيقية حول عادات الأهالي وحياتهم اليومية وعلاقتهم بالأرض والفصول قديماً.

زيارة مدونة Tunisie-44 🌐
🖋️

الكاتب

🌾

نوع المقالذاكرة شعبية وتراث محلي

📚

موضوع المقالالفلاحة وحياة الفصول قديماً

أنت الان في اول موضوع
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات