المندرة، يوم الغيزة، وخزن الغلال: رحلة القمح والشعير في الزريبة العليا قديماً
لم تكن رحلة الحبوب في الزريبة العليا قديماً تنتهي عند الحصاد، بل كانت تمر بمراحل دقيقة ومتوارثة: من درس السنابل في المندرة بواسطة الجاروشة والبغال، إلى فصل التبن عن الحبوب بالفركة، ثم يوم الغيزة الذي تُذرّى فيه الحبوب وتُنقّى من القشور، وصولاً إلى خزنها في الرونية والمطمورة استعداداً لموسم كامل. كما رافقت هذه المراحل معتقدات ومصطلحات خاصة توارثها الأهالي جيلاً بعد جيل، فضلاً عن معرفة عميقة بنباتات غابة الزريبة العليا البرية والشجرية التي كانت مصدر غذاء ودواء وأدوات للسكان.
كيف يتم العمل في المندرة؟
بعد جمع المحصول من الزرع، كان الفلاح ينقله في شباك كبيرة تسمى «الجيابة»، ويضعها في المندرة من جهة الشمال أو الغرب، لأن جهة الجنوب أو الشرق هي التي يأتي منها الريح، وكانت الريح ضرورية في مراحل لاحقة من التذرية.
كان حصد الشعير يقع قبل حصد القمح، ثم يوضع المحصول على شكل أكداس تسمى «النادر». وكان الفلاحون يدرسون القمح قبل الشعير، فيملؤون المندرة بسبول القمح، ثم يأتون بأداة تسمى «الجاروشة»، وهي قطعة لوح طولها متر ونصف تقريباً وعرضها حوالي 50 سنتيمتراً، مرتفعة قليلاً من الأمام، ومثبتة من أسفلها قطع من الحديد المدقوقة بإحكام، ويجرّها اثنان من البغال أو الخيل فوق السنابل.
وعندما تتآكل سبول القمح تماماً، يُخرَج الجاروشة والبغال من المندرة، ثم يأتي رجل أو اثنان، يحمل كل واحد منهما أداة تسمى «الفركة»، ويقلّبون بها السبول، وتتكرر هذه العملية إلى أن يصبح السبول كالهشيم، فيُتحصّل في النهاية على تبن مخلوط بالقمح.
كيف يتم فصل التبن عن القمح والشعير؟
بعدما يصبح السبول تبناً مخلوطاً بالقمح، يُجمع في وسط المندرة، ثم يأتي اثنان من الرجال، بيد كل واحد منهما فركة، ويذرّون بها التبن المخلوط بالقمح في الهواء. وكان هذا العمل متعباً جداً، يتكرر عدة أيام متتالية إلى أن تصبح الحبوب منفصلة تماماً عن التبن، ونفس الطريقة كانت تُتّبع مع الشعير.
يوم الغيزة: تنقية القمح وتكوين العرمة
يُعدّ يوم الغيزة من أهم الأيام في موسم الحصاد، وهو اليوم الذي يقع فيه جمع القمح الذي دُرس في الأيام السابقة في وسط المندرة، ثم تُربط الأحمرة والبغال المصفّحة فوق كومة القمح ويُدار بها عدة ساعات، حتى يزول منه «الغبينوز» وهو قشر القمح الخارجي.
بعد ذلك يُصفّى القمح بالتهوية عن طريق أداة تسمى «اللوح»، لتخرج منه «الكرفة»، أي باقي بقايا السبول والأوساخ. ثم يوضع القمح النقي في وسط المندرة، ويُسمّى هذا الكدس «العرمة».
وكان الفلاح يأتي بقطع صغيرة من أغصان الغابة ليُزيّن بها العرمة، اعتقاداً منه بأن ذلك يجلب البركة ويحفظ المحصول من كل مكروه.
- الرونية / مضفورة: الوعاء المضفور من الحلفاء الذي يُخزّن فيه القمح داخل بيت الخزين.
- ولد البخة: من الألقاب المحلية المرتبطة بذاكرة بيت الخزين.
- عرمة قمح / قلبه: الكومة النهائية للحبوب النقية، وعملية قلبها أثناء التذرية بالهواء.
- ولد البعجة: من الأسماء والألقاب المحلية المرتبطة بذاكرة يوم الغيزة.
- ضييلة: الشجرة التي كانت توفر الظل للعاملين في المندرة أثناء عناء التذرية.
معتقدات وعادات مرتبطة بالمندرة
كانت المندرة محاطة بمجموعة من المعتقدات الشعبية؛ إذ يُقال إن «السيد الخضر» يزور المندرة لينزل البركة على المحصول. وإذا دخل أحدهم إلى المندرة وأراد أهلها إخراجه، لم يكونوا يقولون له كلمة «اخرج» مباشرة، بل يستبدلونها بكلمة «يزي»، وكلمة «زيد» كانت تُستعمل بدل عبارات أخرى، حرصاً على عدم نطق كلام يُعتقد أنه يجلب النحس للمحصول.
وعند بدء الفلاح بكيل الحبوب، كان لكل عدد مصطلح خاص به يُردّده: فعند الكيلة الأولى يقول «الله واحد» أو «بركة الله»، وعند الثانية يقول «لا ثاني معاه»، وعند الثالثة «ثلاثة خير إن شاء الله»، وهكذا يستمر بمصطلحات خاصة لكل عدد إلى أن تمتلئ «الشكارة». ونفس الطريقة كانت متّبعة عند كيل الشعير.
بعد الانتهاء من الكيل، تُنقل الحبوب إلى بيت المخزن بالمنزل استعداداً لعملية الخزن التي كانت تحدد مؤونة العائلة طوال السنة.
كيف يتم خزن القمح والشعير؟
كان خزن القمح يتم بطريقة خاصة: يصنع الفلاح ظفيرة من الحلفاء ويخيطها على شكل وعاء مستدير يسمى «الرونية»، بقطر متر أو أكثر، وارتفاع متر ونصف تقريباً، وفمها ضيّق بقطر حوالي 35 سنتيمتراً، وتوضع في ركن من أركان البيت وتُملأ بالقمح.
أما الشعير فكان يُخزّن بطريقة مختلفة؛ إذ تُحفر له حفرة عمقها متران أو أكثر في وسط «حوش» الدار، ثم يُصنع لها حصير من القصب يوضع داخل الحفرة لحمايتها من نزول التراب، وتُسمّى هذه الحفرة «المطمورة».
وفي قاع المطمورة يوضع تبن الشعير الغليظ الذي يُسمّى «التالفة»، ثم يُصبّ الشعير فوقه، وتُغطّى المطمورة بغطاء محكم كي لا يدخلها الماء ويفسد المحصول.
من المندرة إلى بيت الخزين، كانت رحلة القمح والشعير في الزريبة العليا قديماً مزيجاً من العمل الجماعي، والمعرفة الدقيقة بالأدوات والتقنيات، والمعتقدات التي رافقت كل خطوة، لتصبح الحبوب في النهاية مؤونة عائلة كاملة طوال السنة.
النباتات الموجودة بغابة الزريبة العليا
لم تكن غابة الزريبة العليا مجرد امتداد طبيعي حول القرية، بل كانت مصدراً غذائياً ودوائياً حقيقياً للأهالي، عرفوا نباتاتها البرية وأشجارها جيداً، واستعملوا ثمارها في الأكل والتسلية، وأخشابها في صناعة أدوات المنزل.
🍒 الزعرور
شجيرات تنبت في الجبل، وله نوعان: نوع لونه أحمر يسمى «بومخر»، ونوع ثانٍ لونه أصفر يسمى «زعرور» وهو الأكثر انتشاراً. يُصنع من عوده ملاعق الأكل، وتُركّب عليه أحياناً شجرة الإجاص.
🌳 البلوط
توجد بجبل الزريبة، وثمرتها طويلة تشبه ثمرة البسر (نوع من التمور). لون الثمرة أخضر، وتُشوى في الرمال الساخنة بعد ثقبها بعود، وإلا انفجرت وتصاعد الرماد. طعمها فيه مرارة لكن الصغار يحبونها ويأكلونها.
🍓 اللنج
شجرة توجد بجبل الزريبة لكن بقلة، ثمرتها صفراء وحمراء تشبه الفراولة، وطعمها فيه بعض الحموضة.
🫐 توت العليق
العليق شجرة أغصانها شوكية، تنبت في الأماكن التي بها الماء كالأودية والعيون. لون ثمرتها أكحل يشبه التوت العادي، لكن طعمها فيه قليل من الحموضة.
🌶️ الذرو
شجيرات تسمى «خشش الذرو»، موجودة بكثرة في جبل الزريبية. ثمرتها تشبه حبوب الفلفل، لونها أخضر في البداية ثم أحمر فأسود عند النضج. تُجمع في الخريف وتُشيّح مع قليل من الملح، وفي الشتاء تُقلى مع حبوب القمح وتُسمّى الطبخة الناتجة «القلية».
🌵 الهندي
يُعرف بـ«سلطان الغلة»، موجود بكثرة في جبل الزريبية. تُجمع ثماره وتُغسل ثم تُقشّر وتُؤكل. كما يُصنع منه عصير «الرب»، إذ تُقشّر الثمار وتُرفس باليد ثم توضع في غربال للتقطير فيصبح عصيراً حلو المذاق، ويُشرب في ساعته لأنه يفسد بسرعة بفعل الحرارة.
🍫 شجرة الخروب
شجرة غابية جالية تنتج قروناً بها بذور حمراء، طول القرن من 10 إلى 15 سنتيمتراً، وتأكله الحيوانات. طوّر الأجداد مشتلة جديدة أصبح فيها قرن الخروب غليظاً وبداخله عسل، فأصبح يُؤكل من طرف الإنسان أيضاً. يوجد نوعان: النوع الأول الأكثر انتشاراً، والنوع الثاني يسمى «خروب بوقدمة» وطوله حوالي 5 سنتيمترات وبداخله عسل. يُجمع الخروب في أول الخريف، ويُجفف فوق السطوح حتى يشيح، ثم يُخزّن في الخوابي مع المؤونة ويُؤكل شتاءً، وخاصة من طرف الصغار لأن طعمه ولونه يشبهان الشكلاطة، ويُقال في القديم إن الشكلاطة كانت تُصنع من الخروب وتُباع في الأسواق.
🥔 التلغوتة
من الحشائش البرية، من فصيلة البطاطا، وثمارها تحت الأرض. كان الأطفال يشوونها قديماً على النار ويأكلونها.
🥕 الطموش
من فصيلة الفجل، وثماره أيضاً تحت الأرض.
الحشائش البرية الخضراء
🌿 الشومر
من فصيلة البسباس، ليس له رؤوس، وإنما تُؤكل عيدانه، وله طعم ورائحة ذكية وفوّاحة.
🌼 قرين جدي
يشبه رؤوس القنارية (الأرضي شوكي) لكن حجمه صغير.
🥬 البوحليبة
يشبه الخرشف لكن أوراقه أصغر، ويُؤكل طازجاً أو مطبوخاً.
🧅 الكراث
يشبه البصل والثوم في أوراقه، ويُطبخ به كما يُطبخ بالبصل.
لماذا نستعيد ذاكرة المندرة والغابة اليوم؟
تكشف هذه الشهادات عن معرفة دقيقة كان يمتلكها أهل الزريبة العليا بأرضهم وجبلهم، من طريقة درس القمح وتذريته، إلى أدق تفاصيل خزنه، وصولاً إلى معرفة كل شجرة وعشبة في الغابة المحيطة بالقرية، واسمها وطعمها واستعمالها.
من المندرة إلى العرمة، ومن الرونية إلى المطمورة، ومن الزعرور إلى الخروب والهندي، تتشكل صورة متكاملة لمجتمع كان يعيش في وئام مع الأرض والموسم والغابة، ويحوّل كل عمل شاق إلى معرفة تُورَّث جيلاً بعد جيل.
وتبقى هذه التفاصيل جزءاً من الذاكرة الشعبية للزريبة العليا، تُعرّف الأجيال الجديدة بطريقة عيش الآباء والأجداد، وبثراء البيئة التي أحاطت بهم وعرفوا كيف يستفيدون منها.
اكتشف المزيد من ذاكرة الزريبة العليا
تابع سلسلة المقالات التوثيقية حول عادات الأهالي وحياتهم اليومية وموسم الحصاد والفلاحة والتعاون في الزريبة العليا قديماً.
زيارة مدونة Tunisie-44 🌐
تعليقات
إرسال تعليق