مهارات تربية النحل والصيد البري عند سكان الزريبة العليا قديماً
لم تكن مكاسب أهل الزريبة العليا قديماً محصورة في الزرع والماشية، بل امتدت إلى مهارات دقيقة توارثوها جيلاً بعد جيل: تربية النحل واستخراج العسل النقي الذي عُرف في مدينة تونس وفي الساحل، إضافة إلى فنون الصيد البري بالقلبية والشرك والمنداف. وتبقى أغرب هذه الحكايات وأعجبها ما يُروى عن صيد «الحوت» بوادي حمام، حين كان الوادي عامراً بالماء والحياة قبل أن يُصيبه الجفاف والخراب.
صناعة خلية النحل «الجبح»
كانت تربية النحل من المهارات التي تميّز بها سكان الزريبة العليا، وعسل الزريبة معروف بنقاوته في مدينة تونس وفي الساحل. يبدأ الفلاح بصنع الجبح من عصي الدفلة، حيث تُشقّ هذه الأخيرة إلى نصفين على طول 120 سنتمتراً تقريباً، وعلى شكل داخلي بقطر 30 سنتمتراً تقريباً.
- رسم يدوي قديم يوثّق أهم مكوّنات خلية النحل التقليدية «الجبح» كما كان يصنعها فلاحو الزريبة العليا.
- أدوات بسيطة الصنع من عصي الدفلة والحطب والجلد، لكنها كانت كافية لإنتاج عسل نقي معروف بجودته.
تفريخ النحل وجمع الأسراب
في فصل الربيع تفرخ النحل، وتخرج منها أفواج صغيرة تسمى «الفرخ» أو «الزلوش»، عادة تبعد عن الجبح بعشرات الأمتار وتقع فوق شجرة أو خشة. عندها يأتي الفلاح بشكارة أي سلة كبيرة، وينفض فيها الزلوش، ويحملها إلى الجبح الفارغ حيث يدخلها من الغطاء الأمامي.
وتكون هذه الجبح الفارغة بعيدة عن الجبح الأم منات الأمتار، حتى لا يرجع النحل إليه عند خروجه إلى المرعى.
جني العسل وتقطيره
أما كيفية جمع العسل، فيأتي الفلاح بها ثقب، وفي داخلها يوضع الجلة وهي فضلات الأبقار اليابسة، كذلك توضع جمرة من نار فتُطلق دخاناً كثيفاً يحمي به الفلاح وجهه من لسعات النحل. وأما بيده اليمنى فآلة طويلة كالسكين، يقطع بها قطع شمع العسل، ثم يجذبها بعصى مخطاف ويضعها في آنية كبيرة لديها غطاء كي لا يدخلها النحل، ويتكرر المشهد حتى يتم عمله.
ثم يأتي دور المرأة في المنزل، حيث تُشعل النار على الحطب وتضع شمع النحل في النحاسة، وهي آنية كبيرة جداً، لتسخينه قليلاً، ثم يخرج بالشمع ويوضع في غرابيل للتقطير.
يوضع العسل في جلدة كما ذكرنا سابقاً مصنوعة من جلد الماعز، ويذهب بها الفلاح إلى مدينة تونس أو إلى الساحل خاصة مدينة سوسة لبيعها، وكما قلنا فإن عسل الزريبة العليا معروف بنقاوته وصفائه.
من دخان الجبح إلى قطرة العسل، ومن حفرة القلبية إلى شرك الحجل، كانت مهارات أهل الزريبة العليا في النحل والصيد تجمع بين الصبر والحكمة ومعرفة دقيقة بأسرار الغابة والوادي.
صيد الحجل بالقلبية والشرك
كانوا في القديم يصطادون الحجل بـ«القلبية». فالحجل يتواجد بالغابة وفي طوابي الهندي بأحواز دشرة الزريبة العليا. تُحفر حفرة بعمق 10 سنتمترات تقريباً ومستديرة على قطر 15 سنتمتراً تقريباً، ثم يؤتى بحجرة منبسطة تسمى «فرشة» بمقاس 25 على 35 سنتمتراً تقريباً.
توضع في الحفرة قليل من التبن وفوقها حفنة من القمح أو الشعير، وتوضع الفرشة على حافة الحفرة مائلة قليلاً وتُشدّ بعود من الحطب مرتكز على عود آخر يكون نصفه على الأرض ونصفه الآخر فوق الحفرة. عندما تأتي الحجلة وترى التبن في الحفرة تدخل، وإذا بها تلمس العود فينزلق بها وسط الحفرة، وتغطي الفرشة الحفرة، وتبقى الحجلة داخلها حتى يأتي الصياد ليأخذها.
صيد الأرنب بالمنداف
في صيد الأرنب بـ«المنداف»، تُحفر حفرة على حجم المنداف في مسرب بالغابة أو حتى بالأرض المنبسطة، ويوضع المنداف في الحفرة متساوياً مع الأرض، ويوضع فوقه التبن أو القش ثم التراب.
أسطورة صيد الحوت بوادي حمام
هذا الوادي منبعه من منطقة الجوف، وعندما يصل إلى أرض الزريبة العليا يمرّ بمكان اسمه الدخيلة، وأهل الزريبة العليا يسمّونه وادي الدخيلة. وعندما يصل إلى الحمام يصبح اسمه وادي الحمام، ثم يتواصل إلى السد أين يلتقي بوادي الرمل من جهة زغوان فيختلطان معاً ويصبان في بحر بوفيشة.
في فصل الشتاء، عندما تكثر الأمطار، يخرج الحوت من البحر ليدخل في الوادي ويسير ضد التيار إلى أن يصل إلى وادي حمام الزريبة، في مكان اسمه الزير أين توجد حفر ويركن فيها الحوت ولا يتعداه، لأنه يعدّه شلالاً مرتفعاً فيركن في تلك الحفر.
يأتي أحدهم فيعزل دخول الماء إلى الحفر، كما يزيد إفراغها من الماء بآنية، ليتمكّن من الإمساك بالحوت.
- في آخر الربيع تبقى الحفر الكبيرة مملوءة بالماء وفيها الحوت، فيقع صيده بالمتفجرات المتخلّفة من الحرب العالمية الثانية.
- تتمثّل هذه المتفجرات في بخارة وكبسولة وخيط ميش يشتعل، والنار تسير داخله ثم يُرمى به في حفرة الماء فينفجر.
- بعد لحظات ترى الحوت يطفو فوق الماء، فيدخل الصياد داخل الحفرة الكبيرة ويجمع الحوت.
- هذه الطريقة ممنوعة من طرف الحكومة الفرنسية.
وهكذا كان أجدادنا يستمتعون بأكل الحوت في عهد خالٍ من المواصلات، وذلك بقدرة الله الذي جعل الحوت يخرج من البحر إلى الوادي إلى أن يصل إلى حفر بالجبال. هذه حقيقة، ولكنها انتهت في أول الستينات عندما تركّز المنجم، وردمت الحفر، وهدمت غابة الوادي من جراء عقاقير المنجم، وصار الوادي أجرد.
لماذا نستعيد هذه المهارات اليوم؟
تكشف هذه الشهادات عن معرفة دقيقة توارثها أهل الزريبة العليا بأسرار الطبيعة من حولهم: من دخان الجبح وصبر النحال، إلى حيلة القلبية والشرك في صيد الحجل، إلى حكمة المنداف في الإمساك بالأرنب، وصولاً إلى حكاية الحوت التي تجسّد وادياً كان يوماً عامراً بالحياة قبل أن يطاله الجفاف.
هذه التفاصيل ليست مجرد وصفات عمل، بل ذاكرة جماعية تُظهر كيف كان الإنسان يتكيّف مع بيئته ويستمد منها رزقه وغذاءه، بحكمة ودراية توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل.
وتبقى هذه الحكايات جزءاً من الذاكرة الشعبية للزريبة العليا، تُعرّف الأجيال الجديدة بطريقة عيش الآباء والأجداد، وبعلاقتهم الوثيقة بالغابة والوادي والجبل.
اكتشف المزيد من ذاكرة الزريبة العليا
تابع سلسلة المقالات التوثيقية حول عادات الأهالي ومهاراتهم وحياتهم اليومية في الزريبة العليا قديماً.
زيارة مدونة Tunisie-44 🌐
تعليقات
إرسال تعليق