نوادر المدرسة الابتدائية ورحلة الكشافة في الزريبة العليا: ذكريات جيل الخمسينات
شهادة شخصية مليئة بالطرافة والصدق، يرويها أحد أبناء الزريبة العليا عن سنوات دراسته بالمدرسة الابتدائية العليا في أول الخمسينات: من حادثة جبل القلعة مع المعلم محمد الشاذلي القحطار، إلى قصة المقرونة المعجنة والورقة السرية، ومغامرة الطيب بن زيتون مع حماره في الطريق إلى زغوان، وأيام الشغب والألعاب والتنافس على الرتب. ثم تتواصل الحكاية مع مسيرة العمل بـإدارة المنجم بالزريبية، وصولاً إلى رحلة كشفية كبرى نحو الوطن القبلي سيراً على الأقدام، تركت أثراً لا يُنسى في ذاكرة الراوي وأصحابه.
مع المعلم محمد الشاذلي القحطار: رحلة جبل القلعة
في أول الخمسينات، وفي يوم من تلك الأيام، قال لنا المعلم محمد الشاذلي القحطار، القادم من القيروان: «سنذهب في نزهة إلى جبل القلعة القريب من المدرسة». وكان هذا الجبل صعب التسلق، لكن ذلك لم يمنعنا من تجربة حظنا فيه واحداً تلو الآخر.
كان من بيننا تلميذ اسمه سالم الصبحي، وهو الأسرع بيننا في التسلق، فتقدّم على أصحابه بمسافة، ثم أخذ يقلع الحجر والتراب من الجبل ويتركه ينزل على من هم وراءه، حتى صادف أن إحدى الحجرات ضربت المعلم في وجهه مباشرة.
في تلك اللحظة صفر المعلم غاضباً وقال: «هيا اهبطوا وارجعوا إلى المدرسة». وفي القسم، سألنا عمّن ألقى الحجر، وبسرعة البرق أجابوه بأنه سالم الصبحي. حينها أتى المعلم بعصا وبدأ يضربه ضرباً مبرحاً، وكان يتشعبط ليصل إليه لأن المعلم كان قصيراً وسالم طويلاً جداً.
اعتراف: قصة المقرونة المعجنة والورقة السرية
كانت المدرسة الابتدائية العليا بالزريبة تُعطي للتلاميذ أكلة خفيفة، تتمثل في حليب وخبز، وبطاطا مسلوقة بالملح، وكذلك مقرونة. وذات يوم أُعطينا مقرونة معجنة (متكتلة رديئة)، وبعدما خرجنا من قاعة الأكل أخذنا نتحدث عن رفضنا لها، فصارت فوضى في القسم.
أسكتنا المعلم دون أن يعرف سبب الفوضى، ولم يتجرأ أحد منا على أن يذكر له أن سبب الفوضى هو المقرونة المعجنة. حينها دارت في بالي فكرة: أن أكتب ورقة وأشرح فيها الموضوع الذي بسببه صارت الفوضى، ثم أضعها فوق مكتب المعلم دون أن يعلم أحد، باعتبار أنني أدخل إلى القسم أولاً، وباعتبار أن المعلم يدخل الأخير.
نفّذت ما دار ببالي، وأخذ المعلم الورقة وقرأها، ثم دار بين الصفوف يسأل التلاميذ واحداً واحداً: «هذا خطك؟... هذا خطك؟... هذا خطك؟». ولما وصل إليّ، حلفت له براس سيدي عبد القادر أنها ليست خطّي، فصدّقني المعلم.
الطيب بن زيتون: حكاية الحمار الذي «ضلّ الطريق»
في الخمسينات، كان بمدرسة الزريبية العليا معلم يهودي اسمه الطيب جان بيار أوليفيي، وكنا نناديه «الطيب بن زيتونة». في يوم من الأيام، أراد سي الطيب أن يذهب إلى مدينة زغوان لقضاء بعض الشؤون.
وعند الرجوع في المساء، أظلمت الدنيا، وعندما اقترب من الدشرة ظنّ أن الطريق الذي سلكه كان خطأ، فأوقف الحمار وبات بجانب «خشة» إلى الصباح.
في الغد، عندما سألناه عن سبب تأخره في الرجوع، قال لنا إن الحمار الذي اكتراه لا يرى في الليل، فقد أخطأ الطريق. ونحن جميعاً نعلم أن ذلك الحمار كان معتاداً جداً على ذلك الطريق ولا يمكنه أن يضلّه، فضحكنا ولم نُرد إحراجه.
أيام في المدرسة: الألعاب والشغب
أتذكر أننا نحن التلاميذ كنا نلعب لعبة «البيس»، ومن بين المشهورين بهذه اللعبة أسمّي كلاً من المرحوم علي بن محمد بالقارصي بن علي، والمرحوم عثمان العبيدي، والمرحوم محمد بالحاج خليفة رقاز، والمرحوم يوسف بن أحسن بن مبارك.
كما أتذكر أننا كنا كثيري التشويش في القسم، ونضرب بعضنا بالطباشير. وكان السيد محمد بن سالم رقاز يصنع من الصوف «شلاغم» ويلصقها تحت أنفه، وعندما يكون المعلم منهمكاً في الكتابة، يرفع زميلنا محمد رأسه وهو يضع الشلاغم، فتراه التلاميذ وتضجّ القاعة بالضحك.
وكان هناك أخوان يدرسان معنا، وكان أحدهما يشكو يومياً من أخيه فيقول: «سيدي، خويا علي يشوّش في القسم». فهل عرفتم من هما الأخوان؟ إنهما صالح بن محمد بن علي القارصي بن علي، ومحمد بن القارصي بن علي.
أيام في المدرسة: التنافس على الرتب والتفوق الدراسي
في القسم، كنا نحن التلاميذ نتسابق على الرتب في الامتحانات؛ فمثلاً المرحوم محمد بن سالم بن علية والمرحوم محمد بالحاج خليفة رقاز كانا يتنافسان على الرتبة الأولى والثانية، أما الرتبة الثالثة فكانت للمرحوم مبروك العبيدي، والرتبة الرابعة كانت لمحدّثكم محمد بن علي الأبيض.
من المدرسة إلى إدارة المنجم بالزريبية
دخلت أعمل في إدارة المنجم بالزريبية، فتحسّن مستواي أكثر، فقد عملت معيناً محتسباً، وصرت أُحضّر أجور العمال، وتخصصت في المنح العائلية لكل ثلاثة أشهر. وكان عدد الصغار يفوق الألف، لأن عدد العمال كان يفوق 400 عامل، وهي مهمة صعبة، ولكن بالمثابرة صارت سهلة.
بين حادثة جبل يضحك لها الجميع اليوم، وورقة سرية أنقذت وجبات التلاميذ، ومثابرة حوّلت مهمة صعبة بإدارة المنجم إلى خبرة ولغة جديدة، تتشكل صورة جيل بنى نفسه بالتعلّم والصبر والذاكرة الطيبة.
رحلة مع الكشافة: من التأسيس إلى الوطن القبلي
قبل الاستقلال، تكوّنت شعبة سرية بالزريبية العليا، ورئيس الشعبة هو المرحوم البديري بن القارصي، وقد أخذ فكرة الشعبة من مناضلي زغوان، لأنه سكن فيها لفترة.
- قبل الاستقلال تأسيس شعبة سرية بالزريبية العليا برئاسة المرحوم البديري بن القارصي، مستوحاة من تجربة مناضلي زغوان.
- بعد استقلال تونس انتخاب رئيس جديد للشعبة؛ خسر المرحوم البديري وفاز المرحوم محمد بن عمر.
- بعد سنة تقريباً تكوّنت فرقة الكشافة (فرقة الأشبال)، وكنت أنا قائد أشبال، والكشافة الأم في زغوان.
- يوم الرحلة الكبرى قررت الكشافة رحلة إلى الوطن القبلي، والمرحوم علي بن محمد القارصي للذهاب مع كشافة زغوان.
جاء الموعد، فأركبونا في شاحنة أوصلتنا إلى قليبية، حيث استقبلتنا شعبة قليبية ووفّرت لنا داراً عربياً بها عدة بيوت، وبتنا هناك.
من الغد، عرض علينا القائد البرنامج، وقسّمنا إلى مجموعات صغيرة: مجموعة مكلفة باقتصاد البلاد، وأخرى بالفلاحة، ومجموعة بالثقافة والآثار، وأخرى بتعداد السكان. خرجت كل مجموعة وجمعت المعلومات الخاصة بموضوعها، وفي المساء أُعطيت إلى القائد، ووقعت بعض النقاشات حولها.
في الغد، قصدنا بلدة منزل تميم على الأقدام، وكانت المسافة تقريباً 30 كم، وكان القائد دائماً يسير في الوراء حتى يراقب الجميع ولا يقع نسيان أحد. وعندما وصلنا، وفّرت لنا شعبة منزل تميم منزلاً كبيراً لنقيم فيه، وقمنا بنفس العمل الذي قمنا به في قليبية، وهو جمع المعلومات عن المنطقة.
من الغد ذهبنا إلى قربة، ثم إلى تازركة، فنابل، وأخيراً الحمامات، هذا دون أن ننسى أننا تنقّلنا كل ذلك سيراً على الأقدام.
وأذكر أنه كان معنا أخوان مدلّلان من عائلة بن والي لم يقدرا على المشي، ففُرجلاهما (تعبت أرجلهما) وأتعبا القائد، حتى أنه أعلم أهليهما، فأتوا وأخذاهما ولم يكملا معنا الرحلة.
لماذا نستعيد هذه الذكريات اليوم؟
تحمل هذه الشهادة الشخصية صورة صادقة عن جيل عاش طفولته وشبابه في الزريبة العليا خلال الخمسينات: تلاميذ مشاغبون لكنهم مجتهدون، معلمون صارمون لكنهم وطنيون، ووجبات مدرسية بسيطة كانت كافية لإسعاد قلوب صغيرة.
ومن مقاعد الدراسة إلى مكاتب إدارة المنجم، ومن ساحة القسم إلى دروب الوطن القبلي مع الكشافة، تُظهر هذه المسيرة كيف كانت المثابرة والفضول وحب المعرفة تصنع رجالاً قادرين على تجاوز الصعاب، وتترك في الوقت نفسه ذكريات طريفة تستحق أن تُروى وتُحفظ.
وتبقى هذه النوادر والرحلات جزءاً من الذاكرة الشعبية للزريبة العليا، تُعرّف الأجيال الجديدة بأسماء وأحداث ومحطات صنعت وجدان من عاشوا تلك الحقبة.
اكتشف المزيد من ذاكرة الزريبة العليا
تابع سلسلة المقالات التوثيقية حول عادات الأهالي وحياتهم اليومية وذكريات المدرسة والعمل والكشافة في الزريبة العليا قديماً.
زيارة مدونة Tunisie-44 🌐
تعليقات
إرسال تعليق