مكاسب سكان الزريبة العليا قديماً (١): الماعز والبقر

مكاسب الماعز والبقر في الزريبة العليا قديماً
لوحة توثيقية تجسّد مكاسب أهل الزريبة العليا من الماعز والبقر قديماً
تراث وعادات الزريبة العليا · الجزء الأول

مكاسب سكان الزريبة العليا قديماً (١): الماعز والبقر

لم يكن اعتماد أهل الزريبة العليا قديماً يقتصر على ما تجود به الأرض من زرع، بل كانت الماشية جزءاً مهماً من الحياة اليومية. فمن الماعز والبقر كانوا يحصلون على الحليب والزبدة والسمن والجبن، ويبيعون جزءاً من الإنتاج لتوفير حاجات أخرى للأسرة. وهكذا وفّرت هذه المكاسب قدراً من الاكتفاء الذاتي، إلى جانب ما ارتبط بها من عادات وتعاون وتكافل بين الأهالي. وهذا المقال هو الجزء الأول من سلسلة مقالين حول مكاسب أهل الزريبة العليا من الماشية والدواجن قديماً.

ملاحظة توثيقية: هذا المقال يسجل رواية محلية من الذاكرة الشعبية للزريبة العليا. قد تختلف التسميات أو طرق التحضير أو تفاصيل تربية الحيوانات بين العائلات والأجيال والمناطق؛ لذلك نوردها كما تُتداول في الرواية المحلية، ولا نقدّمها كمرجع علمي لتربية المواشي أو كدليل طبي لعلاج الأمراض.
🐐 الماعز والحليب 🐄 البقر ومشتقاته 🤝 التكافل الاجتماعي

🧭 خريطة مكاسب الماعز والبقر عند أهل الزريبة العليا قديماً

🐐 الماعز

الحليب، الرايب، الزبدة، السمن، الجبن، الجلد، والشعر.

🐄 البقر

الحليب، تربية العجول، إنتاج القطيع، واللحم في المناسبات أو بعض الحالات الخاصة.

1

حليب الماعز ومشتقاته

كان إنتاج الحليب في الزريبة العليا يتميّز خاصة في فصل الربيع، حيث يتوافر الحليب بكثرة فيصنعون منه الزبدة. كانت النساء يضعن الحليب في آنية كبيرة تسمى «البرمة» لمدة يوم أو أكثر حتى يصبح «حليب رايب»، ثم يوضع الرايب في «الشكوة»، وهي أداة تُصنع من جلد الماعز، تُعلّق ثم تجلس المرأة مقابلتها وتبدأ بخضّها، ومن حين لآخر تصبّ الماء الساخن داخل الشكوة وتواصل الخض حتى تتجمع كمية من الزبدة فوق اللبن.

تُجمع الزبدة في آنية صغيرة ويُرشّ عليها قليل من الماء البارد لتبرد، ثم تلملمها المرأة بيدها وتُخرجها وتضعها في آنية أخرى، وتُغلى الزبدة على النار لتصبح سمناً. كذلك كانت المرأة تصنع الجبن من الحليب وتضعه في الماء المالح.

ويحتوي حليب الماعز بطبيعته على الدهون، وكانت قيمته في الذاكرة المحلية مرتبطة بسهولة تحويله إلى منتجات مختلفة مثل الرايب والزبدة والجبن والسمن. وتختلف خصائص الحليب وكميته بحسب الحيوان والغذاء والموسم وظروف التربية.

🐐 بحسب الرواية المحلية، كان بعض أهل القرية يبيعون منتوجاتهم من الحليب ومشتقاته في مدينتَي تونس وسوسة، فتحوّلت هذه المشتقات من مؤونة للبيت إلى مصدر رزق إضافي للعائلة.

وتشترك أدوات الخزن والتحويل هذه في مصدر واحد؛ فـ «الشكوة» التي يوضع فيها الحليب، و «القربة» التي يوضع فيها الماء، و «الجلدة» التي يوضع فيها العسل، كلها تُصنع من جلد الماعز بحسب ما ترويه الذاكرة المحلية.

وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ سورة النحل، الآية 5
2

أطوار الماعز وتسمياتها عبر الأعمار

كان لكل مرحلة من عمر الماعز اسم خاص يتوارثه أهل القرية، ويتغيّر مع مرور السنوات، ذكراً كان أو أنثى. وهذه التسميات كما ترد هنا هي تسميات محلية شعبية، وقد تختلف طريقة نطقها أو كتابتها واستعمالها من منطقة إلى أخرى.

🐐 جدي / عناق

عند الولادة، يُسمّى المولود الذكر «جديّاً» والأنثى «عناقاً» بحسب الرواية المحلية الواردة في المقال.

📛 برشني / برشنية

بعد مرور عام، يتغيّر اسم الجدي إلى «برشني» واسم العناق إلى «برشنية».

📛 اجدع / جدعة

في العام الثالث، يصبح اسم البرشني «اجدعاً» واسم البرشنية «جدعة».

🐐 عتروس / عنزة

لنصل في النهاية إلى الطور الذي يصبح فيه الجدع «عتروساً»، وتصبح الجدعة «عنزة».

🍼 بحسب الرواية الشعبية، عندما تلد العنزة يكون حليبها في الأيام الثلاثة الأولى مختلفاً في القوام واللون، وعندما يوضع فوق النار يتحول إلى جبنة كانت تُسمّى محلياً «الدقيشة».

وكان حليب الماعز جزءاً مهماً من غذاء الأسرة، إذ كان يُستعمل في صنع الجبن والزبدة والرايب واللبن. وكانت الماعز ترعى في الغابة والمناطق المحيطة بالقرية، وهو ما جعلها حاضرة في الحياة اليومية للأهالي.

وللماعز أوصاف محلية منها الأقرن والأصلع والفخم وصغير الحجم، وهي أوصاف شعبية لا تمثل بالضرورة أسماء سلالات علمية أو تصنيفاً زراعياً رسمياً. وكان بعض الفلاحين يميّزون بين الحيوانات بحسب كمية الحليب وجودة البنية والقدرة على التسمين والولادة.

وفي فصل الصيف، عندما تصبح المعيز سمينة، يختار الفلاح الذكور الفخمة ليبقيها فحولاً، ويختار الإناث الجيدة للولادة في المستقبل، ثم يبيع ما يشاء من الباقي. وهكذا لم تكن تربية الماعز مقتصرة على الاستهلاك اليومي، بل كانت أيضاً وسيلة لتنظيم القطيع والحفاظ على أفضل الحيوانات.

ومن جلد الماعز كانت تُصنع آلات الطرب مثل الطبل والبندير والطار والدربوكة. ومن شعره كانت تُصنع «العديلة» بحسب التسمية المحلية، كما كان يُستعمل شعر الماعز في صناعة «بيت الشعر» المعروف لدى الرحّل. وقد تختلف تسمية «العديلة» ووظيفتها من منطقة إلى أخرى. وكانت بعض القبائل الرحّل تشتري هذه المنتجات، بينما كان سكان الزريبة العليا مستقرّين بحكم بنائهم للمساكن.

3

البقر: من العجل إلى الثور

أما الإنتاج الحيواني من البقر، فالبقرة تلد عجلاً أو عجلة، وبعد عام يتغيّر الاسم من عجل إلى «فرتول» ومن عجلة إلى «أرخة». ثم بعد ذلك يتغيّر اسم الفرتول إلى «عاصي» أو «ثور»، ويتغيّر اسم الأرخة إلى «بقرة».

🐄 في آخر الربيع وبداية الصيف، كان الفلاح يبدأ ببيع جزء من إنتاجه، ويختار الأفضل فلا يبيعه لينمّي به قطيعه، ثم يبيع من الباقي ما يحتاج إلى بيعه بحسب حاجاته.

وتوضح هذه الطريقة كيف كان الفلاح ينظر إلى القطيع باعتباره إنتاجاً مستمراً؛ فيحتفظ بالحيوانات التي يراها مناسبة للتكاثر وتنمية القطيع، بينما يبيع جزءاً آخر لتوفير حاجات الأسرة.

روح الزريبة العليا

من ضرع الماعز والبقرة إلى مؤونة البيت من الزبدة والسمن والجبن، كانت هذه الحيوانات جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية في الزريبة العليا: غذاءً، ومؤونةً، ومصدراً للدخل، وسبباً في استمرار علاقات التعاون والتكافل بين أبناء القرية.

📖 معجم صغير من تسميات الرواية المحلية

البرمة إناء كبير كان يوضع فيه الحليب حتى يصبح رايباً.
الشكوة وعاء من جلد الماعز كان يُستعمل لخض الرايب واستخراج الزبدة.
القربة وعاء جلدي لحفظ الماء، بحسب الوصف الوارد في الرواية.
الجلدة وعاء من جلد الماعز كان يُستعمل لحفظ العسل.
الدقيشة تسمية محلية لمنتج من الحليب في الأيام الأولى بعد الولادة.
برشني / برشنية تسميات محلية لطور من أطوار الماعز بعد عام.
اجدع / جدعة تسميات محلية لطور لاحق من أطوار الماعز.
عتروس / عنزة تسميتان محليتان للذكر والأنثى في الطور المتقدم.
فرتول / أرخة تسميتان محليتان وردتا في وصف أطوار البقر بعد العام الأول.
عاصي / ثور تسميتان وردتا للذكر في مرحلة لاحقة من عمر البقر.

لماذا نستعيد ذاكرة المكاسب اليوم؟

تكشف هذه الشهادات عن نمط حياة كان لكل حيوان فيه دور واضح في حياة العائلة: الماعز والبقر للحليب ومشتقاته وتربية القطيع، إلى جانب عادات غذائية واجتماعية رافقت هذه المكاسب.

من الشكوة إلى أدوات حفظ الماء والعسل، ومن أطوار الماعز إلى تسميات البقر، تتشكل صورة عن مجتمع كان يحاول الاستفادة من موارده المتاحة وتحويلها إلى غذاء ومؤونة ودخل.

وتبقى هذه التفاصيل جزءاً من الذاكرة الشعبية للزريبة العليا، تُعرّف الأجيال الجديدة بطريقة عيش الآباء والأجداد، وتحفظ أسماء الأدوات والحيوانات والمنتجات والعادات التي كانت مرتبطة بالحياة اليومية في القرية. وفي الجزء الثاني من هذه السلسلة، ننتقل إلى جودة الحليب ولحم الماعز والبقر وعادات التكافل، إلى جانب مكاسب الحمير والبغال والدواجن.

📌 حدود الرواية: التسميات والأوصاف والكميات وطرق التحضير المذكورة في هذا المقال مرتبطة بالرواية المحلية التي يحفظها أهل الزريبة العليا. وقد تختلف بعض التفاصيل بين عائلة وأخرى أو بين جيل وآخر أو بين منطقة وأخرى. لذلك يأتي المقال في إطار توثيق الذاكرة الشعبية والتراث المحلي، وليس باعتباره دراسة علمية في تربية الحيوانات أو إنتاج الحليب أو مرجعاً طبياً.

اكتشف المزيد من ذاكرة الزريبة العليا

تابع سلسلة المقالات التوثيقية حول عادات الأهالي ومكاسبهم وحياتهم اليومية في الزريبة العليا قديماً.

زيارة مدونة Tunisie-44 🌐
🐐

نوع المقال ذاكرة شعبية وتراث محلي (الجزء ١ من ٢)

📅

تاريخ النشر

📚

موضوع المقال مكاسب الماعز والبقر قديماً

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات