مكاسب سكان الزريبة العليا قديماً (٢): الحمير والبغال والدواجن

مكاسب الحمير والبغال والدواجن في الزريبة العليا قديماً
لوحة توثيقية تجسّد مكاسب أهل الزريبة العليا من الحمير والبغال والدواجن قديماً
تراث وعادات الزريبة العليا · الجزء الثاني

مكاسب سكان الزريبة العليا قديماً (٢): الحمير والبغال والدواجن

إلى جانب الماعز والبقر، كان لأهل الزريبة العليا مكاسب أخرى لا تقل أهمية في حياتهم اليومية. فمن الحمير والبغال كانوا يقضون حاجات البيت وينقلون الأثقال، ومن الدواجن كانوا يحصلون على البيض واللحم، ويبيعون جزءاً من الإنتاج لتوفير حاجات أخرى للأسرة. وهذا المقال هو الجزء الثاني من سلسلة مقالين حول مكاسب أهل الزريبة العليا من الماشية والدواجن قديماً؛ ويمكن الاطلاع على الجزء الأول المخصص للماعز والبقر عبر رابط المقالات ذات الصلة أدناه.

ملاحظة توثيقية: هذا المقال يسجل رواية محلية من الذاكرة الشعبية للزريبة العليا. قد تختلف التسميات أو طرق التحضير أو تفاصيل تربية الحيوانات بين العائلات والأجيال والمناطق؛ لذلك نوردها كما تُتداول في الرواية المحلية، ولا نقدّمها كمرجع علمي لتربية المواشي أو كدليل طبي لعلاج الأمراض.
🐴 الحمير والبغال 🐓 الدواجن 🥛 حليب البقر 🤝 التكافل الاجتماعي

🧭 خريطة مكاسب الحمير والبغال والدواجن عند أهل الزريبة العليا قديماً

🐴 الحمير

جلب الماء والحطب، حمل الأغراض، ونقل الأطفال وقضاء بعض حاجات الأسرة.

🐎 البغال

حمل الأثقال، التنقل، والعمل في المواسم والأعمال الفلاحية.

🐓 الدواجن

البيض واللحم، البيع لتوفير حاجات البيت، والاستعداد للأكلات المرتبطة بشهر رمضان.

1

الحمير والبغال

وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ سورة النحل، الآية 8

تكاد لا تخلو دار من هذه المكاسب بحسب الرواية المحلية. البغال هي ناتج تزاوج حمار ذكر مع فرس أنثى، وتُعرف الأنثى باسم «بغلة». وكانت البغال معروفة بقوتها وقدرتها على تحمّل الأثقال والسير في الأماكن الصعبة والوعرة.

وكان سكان القرية يربون البغال للاستفادة منها في حمل الأثقال والتنقل، وكذلك في بعض الأعمال والمواسم الفلاحية مثل الحرث، بحسب ما ترويه الذاكرة الشعبية. وكانت البغلة تُعد في الرواية الشعبية غير قادرة على الإنجاب؛ وعلمياً تكون البغال في الغالب عقيمة، مع وجود حالات نادرة موثقة للخصوبة.

🐴 أما الحمير، فكانت تُقضى بها حاجات كثيرة من حاجات البيت، فتُستعمل خاصة في جلب الماء والحطب. وكانت المرأة تستعملها لحمل صغارها إلى حمام الزريبة، ويستعملها الرجل عند التسوق أو التنقل إلى مدينة زغوان.

وهكذا لم تكن الحمير والبغال مجرد حيوانات للعمل، بل كانت وسيلة عملية مرتبطة بالماء والحطب والتنقل ونقل الأغراض، في وقت كانت فيه وسائل النقل الحديثة غير متاحة كما هي اليوم.

روح الزريبة العليا

من ظهر الحمار والبغل إلى فناء الدواجن، كانت هذه الحيوانات جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية في الزريبة العليا: وسيلة نقل، ومؤونةً، ومصدراً للدخل، وسبباً في استمرار عادات مرتبطة بالصحة والمناسبات عند أهل القرية.

2

الدواجن: تربية الدجاج ورمضان

تكاد لا تخلو دار من مكسب الدواجن، وخاصة تربية الدجاج الذي كان يُعتبر مكسباً متاحاً للأسرة محدودة الدخل أيضاً، فثمن بيع الدجاج أو البيض كان يُستعمل لشراء الخضروات والشاي وغيرها من حاجات البيت.

وكانت تربية الدجاج قبل شهر رمضان بنحو أربعة أشهر من العادات التي ترويها الذاكرة المحلية، حتى إذا حلّ شهر الصيام كان الدجاج قد كبر وأصبح جاهزاً للذبح والانتفاع به. وكانت المحمّصة بالدجاج العربي من الأكلات المحبوبة التي ارتبطت بتلك الفترة في الرواية الشعبية.

🖍️ من الذاكرة الشعبية: مرقة الدجاج والعادات المرتبطة بالمرض
  • إذا مرض أحد أفراد العائلة، تروي الذاكرة الشعبية أنهم كانوا يذبحون له فروجاً أو صغير السردوك، أي صغير الديك.
  • يطبخون به مرقة تكون كثيرة الفلفل، وخاصة الفلفل الأحمر، بحسب الوصف المتداول في الرواية.
  • يأتون بالمرقة في آنية ويفتحونها في وجه المريض ليستنشق رائحة الدجاج الساخن.
  • ويأكل المريض اللحم أيضاً ضمن هذه الممارسة الشعبية الموروثة.
  • مثل شعبي زريبي: عندما يكون الشخص مريضاً جداً ولا يُرجى شفاؤه، يُقال عنه: «لوكان تشربو مرقة الدجاج ما يصحّش»، والله هو الشافي العافي.
تنبيه: هذا الوصف يوثّق ممارسة شعبية موروثة من الذاكرة المحلية، ولا يُثبت أن مرقة الدجاج أو استنشاق بخارها يعالج المرض، ولا يُعد توصية طبية.
تربية الدواجن والدجاج العربي في الزريبة العليا قديماً
صورة توثيقية لتربية الدواجن والدجاج العربي استعداداً لشهر رمضان في الزريبة العليا قديماً
3

الحليب بين الكمية والجودة

وبحسب الرواية المحلية التي نقلها أهل القرية، كانت بعض الأبقار التي عرفها سكان الزريبة العليا، والتي وُصفت محلياً بأنها من السلالة العربية، تنتج نحو لتر إلى ثلاثة لترات من الحليب يومياً. وهذه أرقام تقريبية مرتبطة بتلك الرواية، ولا تعني أن كل الأبقار أو السلالات كانت تنتج الكمية نفسها.

وكان من المتداول محلياً أن قلة كمية الحليب لا تعني بالضرورة ضعف جودته في نظر الأهالي. وهذه ملاحظة من الذاكرة الشعبية وليست قاعدة علمية عامة للحكم على جودة الحليب.

وبعد الولادة، وفي الأيام الأولى، كان الحليب يوصف في الرواية المحلية بأنه أصفر اللون، وعندما يوضع فوق النار يكون جبنة تُسمّى هي الأخرى «الدقيشة» بحسب التسمية المتداولة في هذه الرواية، تماماً كما ورد في وصف حليب الماعز في أيامه الأولى.

توثيق لتربية الأبقار وإنتاج الحليب في الزريبة العليا قديماً
صورة توثيقية للأبقار وإنتاج الحليب ومشتقاته في الزريبة العليا قديماً
4

لحم الماعز والبقر وعادات التكافل

كان سكان الزريبة العليا يأكلون لحم الماعز أكثر بكثير من لحم البقر، فهذا الأخير لا يأكلونه إلا في المناسبات مثل الأعراس، أو في صورة ما إذا أُصيبت بقرة أحد الفلاحين بمرض أو إصابة ولم يُرجَ شفاؤها، بحسب الرواية المحلية.

🤝 في هذه الحالة، يقوم صاحب البقرة بذبحها وتوزيعها على أهل القرية كرماً منه، ولكن كل من أخذ من الفلاح المتضرر كمية من اللحم كان يعطيه شيئاً من المال ليعوّضه عن جزء من خسارته. وتُظهر هذه العادة، كما ترويها الذاكرة المحلية، جانباً من تكاتف أهل القرية ومساندة بعضهم لبعض.

لماذا نستعيد ذاكرة المكاسب اليوم؟

تكشف هذه الشهادات عن نمط حياة كان لكل حيوان فيه دور واضح في حياة العائلة: الحمير والبغال لقضاء حاجات البيت والتنقل وحمل الأثقال، والدواجن للبيض واللحم والبيع، إلى جانب حليب البقر ولحم الماعز والبقر وما ارتبط بها من عادات غذائية واجتماعية.

من ظهر البغل إلى تربية الدجاج قبل رمضان، ومن جودة الحليب إلى قصة توزيع لحم البقرة ومساهمة الأهالي بالمال لتعويض صاحبها، تتشكل صورة عن مجتمع كان يحاول الاستفادة من موارده المتاحة وتحويلها إلى غذاء ومؤونة ودخل ووسائل للعمل والتنقل، إلى جانب جانب من التكافل الاجتماعي بين أهل القرية.

وتبقى هذه التفاصيل جزءاً من الذاكرة الشعبية للزريبة العليا، تُعرّف الأجيال الجديدة بطريقة عيش الآباء والأجداد، وتحفظ أسماء الحيوانات والعادات التي كانت مرتبطة بالحياة اليومية في القرية. ويمكن الرجوع إلى الجزء الأول من هذه السلسلة للاطلاع على حليب الماعز ومشتقاته وأطواره وأطوار البقر.

📌 حدود الرواية: التسميات والأوصاف المذكورة في هذا المقال مرتبطة بالرواية المحلية التي يحفظها أهل الزريبة العليا. وقد تختلف بعض التفاصيل بين عائلة وأخرى أو بين جيل وآخر أو بين منطقة وأخرى. لذلك يأتي المقال في إطار توثيق الذاكرة الشعبية والتراث المحلي، وليس باعتباره دراسة علمية في تربية الحيوانات أو مرجعاً طبياً.

اكتشف المزيد من ذاكرة الزريبة العليا

تابع سلسلة المقالات التوثيقية حول عادات الأهالي ومكاسبهم وحياتهم اليومية في الزريبة العليا قديماً.

زيارة مدونة Tunisie-44 🌐
🐴

نوع المقال ذاكرة شعبية وتراث محلي (الجزء ٢ من ٢)

📅

تاريخ النشر

📚

موضوع المقال مكاسب الحمير والبغال والدواجن، وجودة الحليب ولحم البقر وعادات التكافل قديماً

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات